يقدم الكاتب عبدالله مناع في سيرته الذاتية «بعض الأيام بعض الليالي»، تأريخاً ثقافياً لمدينة جدة في سنوات الخمسينات والستينات الميلادية. ويوضح في المقدمة «أن هذا الكتاب ليس بياناً حزبياً ولا معركة تصفية مع خصومه، ولكنها قصة حياته بأحزانها المتدفقة وافراحها المنزعة».
ويسرد في صفحات كتابه الصادر حديثاً عن دار المرسى، طفولته في حارة البحر، عندما كانت تصحبه أمه عبر الخاسكية، فالسوق الكبيرة وقصبة الهنود إلى حارة الشام، ليمضي ليالي الخليف في بيت خالته في حارة الشام. وفي الفصل الثاني يتحدث عن الأصدقاء والسهرات، التي كان يقضيها في مقاهي وكازينوهات جدة، كما يتحدث في فصل آخر عن الاسكندرية، التي درس فيها الطب وعن حبه الأول الذي ضاع بسبب أزمة سياسية.
مدينة جدة كما يراها الكاتب تشبه الحورية التي يسعى لاصطيادها البحارة بقواربهم الصغيرة وسنابيكهم الخشبية الكبيرة، بينما الأهالي يغنون الصهبا في يوم خريفي غائم للراحلين الذين لم يعودوا بعد.
حكاية مدينة لم تعد تعرف نفسها، يحاول صاحب السيرة إنعاش ذاكرتها، عبر جمعه في نهاية كل فصل من كتابه صور أبنائها، لعل ذلك يساعده في الاحتفاظ بما تبقى من ملامحها القديمة، وانقاذ روحها من غدر الزمان. يفصح مناع بنبرة حزينة، أن جميع هؤلاء غادروا الأمكنة لكنهم لم يغادروا القلب، أدركوا بالفطرة معنى الانتماء إلى المكان، واسهموا في نهضة جدة وقيامتها وتكوين هويتها فكانت ذكريات الكاتب عنهم، وفاء للأحبة ولاستعادة حضورهم المتألق في أعماقه، وحنيناً إلى تجاربه الأولى ومرابع الصبا.
وفي الفصول الأخيرة من الكتاب، يستعرض مناع مشواره مع الصحافة منذ بداية ظهور مقالاته في «الرائد»، وانتقاله إلى صحيفة «المدينة»، ثم اختياره لعضوية مؤسسة «البلاد» الصحافية، وتحوله إلى كتابة العمود اليومي، فهجرته إلى «الندوة» الصحيفة، وانتهاء بإصدار مجلة «اقرأ» ورئاسة تحريرها عام 1974.
ويذكر مناع «حرصه الدائم على تقديم صحافة تعيش واقعها واحداثه وتقلباته، وتعبر عنه بصدق وموضوعية، نحن لا نختلق الازمات لذاتها، ولا نجري خلفها لتحقيق شهرة عارضة، ولكن المشكلة تكمن في تفاوت فهمنا للصحافة ودورها عن فهم الاخرين له، فقد سعينا - مجتمعين - لتقديم صحافة حية نابضة تعكس صورة الواقع بكل ما فيه من ايجابيات وسلبيات وضحكات ودموع. بينما كان إعلام الفريق على الشاعر يريد صحافة ناعمة هادئة منضبطة كجندي في كتبية».
مناع يؤكد أن خروجه الدائم على النمطية، التي أرساها النظام الثقافي السائد، لم تكن مجرد طموح شخصي، بقدر ما كانت تحرراً وابداعاً لمواكبة اللحظة الراهنة، التي تدفعنا للركض بدلاً من الزحف البيروقراطي.