أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الروتين المنزلي والفراغ العاطفي يلفظان أبناء الرياض إلى أطرافها
    الإثنين, 11 يناير 2010
    الرياض - عبدالواحد الأنصاري

    ما إن يهبط الليل ويسدل الغروب ملاءته على العاصمة السعودية الرياض المرتجفة من هبات «المربعانية» الشتائية حتى تلفظ المدينة شبابها إلى أطرافها كما تلقي حركة المدّ بالموج إلى الشاطئ. برد الرياض جافّ وقارس، لكن مراهقيها لا يستطيعون تحمل وطأة الشتاء في المنازل، وعلى رغم أن «بيت الشعر» في فناء الفيلا الخارجي أو على سطح العمارة يعد بدفئه، إلا أنّ الأجساد الطريّة والقلوب الخافقة لا تتحمل الركود ولا الركون، فتخرج في مجموعات صغيرة إلى الشوارع الرئيسية أو إلى الأطراف شمالاً أو شرقاً.

    وفي الوقت الذي يلجأ فيه كبار الموظفين والميسورين من الآباء ومخضرمي وظائف فترة الطفرة الماضية، إلى الاستراحات التي يمتلكها بعضهم أو تستأجرها المجموعة بصفة دورية ليلهبوا فيها شتاءهم بالسهر والسمر ولعب البلوت والتنكيت على الأوضاع الاجتماعية، يقضي المراهقون والشباب الليل حتى الهزيع الأخير منه على أطراف الأرصفة، وفي المقاهي، وكأن المدينة تعيش إجازة طويلة لا تفيق منها.

    هذه اللوحة التي تجيد الرياض رسمها بعناية لمراهقيها تحيل النهار المقبل إلى يوم كئيب، تتعطل فيه مقاعد الدراسة، ويشيع النوم في فصول الثانويات والجامعات، إذ يأتي طلاب الجامعات في أغلب التخصصات الأدبية مترنحين، يحضرون بأجسادهم من دون عقولهم، وينصرفون بعد الظهيرة ليناموا حتى تغرب الشمس، لتعاود اللوحة رسم نفسها كرة أخرى.

    من الناحية التقويمية لهذا المشهد وسلبياته يتحدث أحد الشباب الملازمين للخروج إلى الثمامة قائلاً: «أعتقد أن الروتين المنزلي والملل العائلي، وعدم امتلاك جدول للترفيه والصمت القاتم في المنزل تكفي لطرد أي شاب يبحث عن ملء يومه، وبصراحة أنا لا أحتاج إلى أعذار كثيرة، يكفي أن أخبر الوالد أنني في هذا المكان مع أصدقائي، وكل ما يهمه هو حضوري الجامعة، وألا أرتكب مخالفة يعاقب عليها النظام».

    وعن قلقه حول وضعه الدراسي، يرد: «لا أدري عن مستواي الدراسي، هذا أمر لا أفكر فيه الآن، لندع كل شيء لوقته».

    الأكاديميون في الجامعات لا يستطيعون حرمان طلابهم من لحظات النوم الضرورية في القاعات، فيلجأ بعضهم إلى جعل النوم في القاعة بمثابة الغياب عن المحاضرة، ما يمكن أن ينتج منه حرمان الطالب من دخول الامتحان في حال تجاوز معدل «النوم» نصاب الغياب، إلحاقاً بلوائح نظام الحرمان من الامتحان بسبب الغياب المتكرر عن المحاضرات.

    ويؤكد اختصاصيون اجتماعيون أن السبب كله عائد إلى غياب الجو الأسري، وانصراف الآباء والأمهات عن مسؤولياتهم، إضافة إلى صعوبة السيطرة على الأجيال المراهقة الجديدة مع تمكنها من وسائل التواصل والهروب إلى الخارج من اتصال وإنترنت، ناهيك بامتلاك أكثرهم سيارات خاصة بهم يقودونها إلى حيث يشاؤون من عاصمتهم ليلاً ونهاراً.

    ونتيجة لذلك أصبحت التجمعات الشبابية الصغيرة تتحول في بعض المساءات إلى تظاهرات مزعجة في الشوارع ما يسبب إزعاجاً وضجيجاً متعمداً من قبل بعضهم للمارة، وتترتب عليه مضايقات أخلاقية متعمدة للعوائل التي تخرج بصحبة سائقيها للتسوق أو لحضور المناسبات والأعراس. كما استغل بعض ضعاف النفوس تسامح الجهات الأمنية مع الشباب في تنفيسهم عن ضيقهم ليحولوا المناسبات الوطنية والأعياد السنوية إلى مصادر للإزعاج والإيذاء، بذريعة أنهم في حاجة إلى إسباغ نشوة الفرح والسرور على نفوسهم المتضايقة، وكثيراً ما يلقي هؤلاء باللائمة على الجو المنزلي الكئيب وغياب البرنامج الأسري الناجح، الذي من شأنه أن يحتويهم ويفتح المجال لتوظيف تعطشهم للحركة في نشاطات غير ضارة بهم أو بالمجتمع.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية