-
عدد الجائعين في العالم يتجاوز البليون، فمن يمد يد العون؟الإثنين, 24 أغسطس 2009الدالي بلقاسمي *
لا شك أن أفقر شعوب العالم هي الأكثر تأثراً بالأزمة المالية العالمية، فمع انهيار البنوك وقطاعات الأعمال، يصيح المستثمرون طلباً للمساعدة وتسرع الحكومات لتلبية نداءاتهم، لكننا وسط هذه الفوضى ننسى من ليست لديهم أعمال أو أموال يستثمرونها في المقام الأول. كنا نعتقد أن فقراء العالم يعيشون بمنأى عن تلك الأزمة ولكن الواقع أنهم الأشد تضرراً، فليست أموالهم أو استثماراتهم هي التي تواجه الخطر بل حياتهم وحياة أطفالهم.
ومن المتوقع أن يصل عدد الجائعين لأول مرة في تاريخ البشرية إلى ما يزيد عن بليون شخص، وهذا يعني أن واحداً من بين كل سبعة أشخاص ينضم لصفوف الجائعين يومياً من دون أن يعرف متى أو كيف سيحصل على الوجبة التالية. في هذا العام زاد عدد الجائعين نحو 100 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي وأصبح العديد منهم يتناولون أطعمة أقل من حيث الكمية والجودة.
إن الأزمة الحالية غير مسبوقة من عدة أوجه، فقد جاءت في أعقاب الارتفاع الحاد في أسعار السلع الغذائية الأساسية في عام 2008 والتي أصبح معها الغذاء بعيداً من متناول ملايين الفقراء. وأدّت الأزمة الاقتصادية العالمية التي تلت أزمة الغذاء إلى جعل الأمر أكثر تعقيداً لأن البلدان النامية أصبحت اليوم أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي من الناحية المالية والتجارية مما يجعلها أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية التي تطرأ على الأسواق العالمية.
ومع فقدان العاملين في البلدان المتقدمة لوظائفهم وانخفاض مداخيلهم في أحيان أخرى فإنهم يرسلون أموالاً أقل إلى أوطانهم مما أدّى إلى انخفاض حاد في التحويلات المالية التي تمثل ما يعادل 6% من إجمالي الناتج الاقتصادي للبلدان المنخفضة الدخل. ومن المتوقع أن تنخفض نسبة التحويلات من 5 إلى 8 في المئة خلال عام 2009 حسب تقديرات المصرف الدولي. وفي كينيا انخفضت بالفعل نسبة التحويلات بنحو 15% خلال الأربعة أشهر الأولى من هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2008.
ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي من المتوقع أن تقل الاستثمارات الأجنبية في البلدان النامية بنسبة 32% خلال العام الحالي. ويتوقع الصندوق أن تنخفض تدفقات رأس المال الخاص إلى الأسواق الناشئة في عام 2009 لتصل إلى 165 بليون دولار بعد أن بلغت 466 بليوناً عام 2008 و929 بليون دولار عام 2007 مما يمثل انخفاضاً بنسبة 80% خلال عامين فقط الأمر الذي يشكل مزيداً من القيود على الاقتصاديات الضعيفة بالفعل.
وماذا كانت النتيجة؟ النتيجة هي وقوع حوالى 53 مليون شخص آخرين هذا العام في شرك الفقر، حيث يعيشون على اقل من 1.25 دولار في اليوم.
وبالرغم من أن العديد من بلدان العالم كانت تحتفل بالآثار الإيجابية للعولمة على مدى العقدين الماضيين، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية قد دفعت الكثير من البلدان إلى التركيز على مشكلاتها فقط. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنخفض المساعدات الأجنبية التي تقدم لأفقر 71 بلداً بنحو 25% هذا العام بعد أن بلغت أقصاها عام 2008 حيث وصلت إلى 120 بليون دولار. وللخروج من هذه الأزمة ينبغي أن يفكر العالم الصناعي بحزمة من التدابير، فلا بد أن يقدم الأغنياء يد العون للفقراء ليس على سبيل الإحسان ولكن لأن حالة البطالة والفقر والجوع السائدة في البلدان النامية عامل سيؤدي إلى عرقلة تحقيق الانتعاش العالمي.
ويأتي الركود الاقتصادي الحالي – وهو الأسوأ من نوعه منذ الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي – في وقت تظل فيه أسعار الغذاء مرتفعة في البلدان النامية، فأسعار الغذاء الآن أعلى مما كانت عليه في العام الماضي في نحو 80% من هذه البلدان. وعلى سبيل المثال، لا يزال الغذاء في اليمن بعيد المنال بالنسبة الى الفئات الأشد فقراً كما أن أكثر من واحد من بين كل ثلاثة يمنيين يعانون من الجوع المزمن. ومن المتوقع أن تبقى أسعار المحاصيل عند مستواها الحالي خلال عام 2009 ويمكن أن تظل عند المستوى نفسه لمدة ست سنوات أخرى طبقاً لتقديرات المصرف الدولي.
عندما ترتفع أسعار الغذاء، يلجأ الناس إلى استقطاع جزء من نفقات التعليم والرعاية الصحية. والطفل الذي يجبر على ترك المدرسة من غير المحتمل أن يعود إليها ثانيةً بعد انقضاء الأزمة، فالصغار الذين يعانون اليوم من سوء التغذية المزمن قد يعانون من مشاكل في النمو طوال حياتهم ويمكن أن تكون لذلك عواقب جسيمة تستمر بعد مرور أزمة ارتفاع أسعار الغذاء أو حتى الأزمة المالية.
ومن أجل تخفيف الآثار السلبية الناجمة عن الجوع والتي تتعدى مجرد معدة فارغة، قدم برنامج الأغذية العالمي طرقاً بديلة تستغل موارده على نحو أفضل وأكثر فعالية. كما قام البرنامج بالتوسع في مشروعاته للتغذية المدرسية التي تساعد على إبقاء الأطفال في مدارسهم وتشجعهم على الحضور المنتظم. ففي عام 2008 قدم البرنامج وجبات مدرسية وحصصاً غذائية منزلية لنحو 22 مليون طفل. ويواجه البرنامج المشكلات المتعلقة بالجوع في المناطق الحضرية التي يتوافر فيها الغذاء - والذي تفوق تكلفته قدرة السكان المالية - من طريق نظام القسائم الغذائية، فقد قام البرنامج بتنفيذ مشروع توزيع القسائم الغذائية على 30 ألف شخص في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويمكِّن هذا المشروع الأسر المستضعفة من الحصول على الغذاء بصورة مباشرة من السوق المحلية وهو ما يساعد المنتجين المحليين.
ويعتمد برنامج الأغذية العالمي على سخاء الحكومات والمانحين من القطاع الخاص، ففي العام الماضي تلقى البرنامج تبرعات بلغت 5.2 بليون دولار مكّنته من تقديم مساعدات لنحو 102 مليون شخص غيرت مجرى حياتهم. واستطاع البرنامج حشد مساعدات غذائية لحوالى 22 حالة طوارئ وساعد الملايين على التكيُّف مع الارتفاع الحاد والمفاجئ في أسعار الغذاء والوقود. والآن وقد انتصف العام يواجه البرنامج عجزاً تمويلياً كبيراً وغير مسبوق ما سيؤدي إلى خفض الحصص الغذائية والتعليق التام لمشروعاته في بعض الحالات. ويتوقع البرنامج حصوله على 3.7 بليون دولار فقط من إجمالي موازنته البالغة 6.7 بليون والتي يحتاجها لتوفير الغذاء لنحو 108 مليون شخص في 74 بلداً من الأشد فقراً هذا العام.
ولا بد من أن نحذر من وقوع كارثة كبرى كأن نفقد جيلاً بأكمله بسبب الجوع أو نضحي بتنمية مستقبلية محتملة جراء الجوع الذي يتجاوز عدد ضحاياه كل عام عدد ضحايا أمراض الإيدز والملاريا والسل مجتمعة. ليس هذا فحسب، بل إن الجوع يقتل الحراك الاجتماعي والتقدم .
إن جزءاً ضئيلاً فقط من تريليونات الدولارات التي خصصت لإنقاذ البلدان المتقدمة من الأزمة المالية العالمية يمكن أن تمول مشروعات برنامج الأغذية العالمي بالكامل لمدة عام على الأقل.
إن العالم في حاجة إلى منع تحول الأزمة المالية إلى أزمة إنسانية! دعونا نمنح البشرية الاهتمام نفسه الذي نمنحه للمصارف وقطاعات الأعمال وشركات صناعة السيارات .. أو حتى القليل من الاهتمام.
* المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي بمنطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا وأوروبا الشرقية.











