-
سجين خمسة نجومالخميس, 09 سبتمبر 2010
ثمة من يهمس في بيروت بأن الحملة العنيفة المفاجئة التي شنها النائب ميشال عون على البلد كله، بسياسييه وصحافته ومؤسساته، مردها أن الرجل لم يشف بعد من تأثير الصدمة التي تلقاها عندما أوقفت أجهزة الأمن أحد معاونيه الرئيسيين بتهمة التجسس لإسرائيل، وأنه لا يزال غير مصدق أن العميد المتقاعد فايز كرم اعترف بتعامله وأدلى بإفادة كافية لتوقيفه وإدانته، وربما إدانة غيره.
والدليل على حال «النفي» هذه، أن متصفح موقع «التيار الوطني الحر» التابع لعون هذه الأيام، يمكنه أن يقرأ مقالاً رئيسياً بعنوان: «ها هي زنزانة فايز كرم وهكذا يعامله فرع المعلومات». كما يمكنه أن يقرأ أن النائب إبراهيم كنعان من «التيار» إياه «سيتقدم بسؤال للحكومة قريباً، يطلب تحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات التي حصلت وتحصل في ملف كرم».
إذاً عون وتياره لا يزالان يعتبران الموقوف «واحداً منهم»، ويدافعان عنه ويتألمان لتوقيفه «في غرفة تحت الأرض (...) مكيفة مركزياً فلا يستطيع التحكم بدرجة حرارة المكيف فيها»، وتقض مضجعهما «المخاطر الصحية التي تتهدد حياته» و «منعه من رؤية الشمس» وسواها من تفاصيل.
وقد يكون الجنرال السابق وتياره محقين في رفع الصوت ضد المعاملة غير الإنسانية للمعتقل كرم إذا وجدت، لكن هذا موقف يتوجب أن ينسحب على جميع الموقوفين في السجون اللبنانية، وبأي تهمة كانت. ونحن لم نسمع يوماً لا عون ولا أحداً من رجاله يتألم لوضع الموقوفين مثلاً في سجن رومية الذي صار مضرب مثل لهيئات حقوق الإنسان في مدى انتهاكه لأبسط المبادئ.
أما الذي يقلق فعلاً، فهو حالة «الانفصام السياسي» التي يعاني منها التيار وزعيمه، عندما يطالبان بتغيير ظروف اعتقال متهم بالعمالة للموساد، فيما حليفهما الرئيسي الذي لا يكلان في الدفاع عنه، ولا سيما بعد أحداث برج أبي حيدر، أي «حزب الله»، وسائر تشكيلات «البيئة الحاضنة للمقاومة» التي ينتمي إليها عون، يطالبون بإنزال أقسى العقوبات بالعملاء وباعدام بعضهم، معتبرين أن الأحكام القضائية المتهاونة أدت الى تشجيع هؤلاء في عمالتهم وقد تشجع غيرهم، وهم لا يبالون براحة ورفاهية من قد يكون تسبب في خسائر بشرية في صفوف المقاومة وقدم للعدو معلومات ساعدته على استهداف بنيتها.
وهناك من يقول إن حملة عون التي بدت غير مبررة في توقيتها ومدى توترها، سببها أيضاً «أخذ الحمل» عن «حزب الله» في هجومه المنهجي على الحكومة، بعدما وصل التراشق الإعلامي المفتوح الى حدود خطرة اضطرت أمينه العام السيد حسن نصرالله الى الفرملة بناء على نصائح من وراء الحدود. لكن الحزب قال دوماً انه ليس بحاجة الى ستار يختفي وراءه عندما يرغب في توجيه رسالة الى أحد، وانه يملك من الشجاعة والثقة بالنفس ما يمكنه من وضع الإصبع على الجرح من دون كبير مراعاة عندما يتعلق الأمر بحماية نفوذه، فكيف إذا كان الأمر بحجم كف يده المسلحة عن العاصمة؟
المشكلة مع عون انه ربما ينسى نفسه عندما يحتشد أمامه بعض أنصاره، فتعود به الحماسة الى يوم كان رئيساً لحكومة العسكريين يهدد بقصف دمشق، ولو أن «الهدف» تغير اليوم، ويعود الى عنتريات لم يعد أحد يقبضها في ظل التسوية القائمة بين كبار اللاعبين وداعميهم والتي رسمت حدوداً لأي مشكلة تواجه «حكومة الوحدة الوطنية». وهذا الحنين الى أيام المراجل يدل على عجز عون عن تطوير أفكاره وتياره من حالة عاطفية الى حالة سياسية، فتبقى انفعالاته مجرد فقاعات تنتفخ فجأة فتبدو كبيرة ومبهرة ثم لا تلبث أن تتلاشى كأنها لم تكن.














