-
الرياضة كثقافة وهوية و... استثمار عالمي عملاقالجمعة, 03 سبتمبر 2010
قرأت للمرة الأولى في حياتي تقريراً صحافياً قبل أيام قليلة عن المباراة القادمة بين نادي الفيصلي والوحدات الأردنيين، الناديان الأكثر أهمية في الأردن، ويحمل التنافس بينهما أبعاداً اجتماعية وسياسية تشبه إلى حد ما التراجيديا العربية والتاريخية «داحس والغبراء» وقد أوحت لي تلك القراءة للتقرير بهذه المقالة.
كرة القدم تكاد اليوم توحد العالم، وربما شاهد مباريات كأس العالم أكثر من ثلثي سكان العالم، وامتزجت الرياضة بالتجارة والنجومية والفساد والاستغلال... والسياسة أيضاً، إنها لا تؤدي إلى الخلاص ولا التهلكة وليست أفيوناً للبشر أو ذريعة للعنف كما أنها ليست حلاً إعجازياً، ولعلها مزيج من ذلك كله، وربما تكون مجرد جزء من توجه عام للبشرية نحو التسلية والترف.
من لا يعرف مايكل جوردان لاعب كرة السلة؟ حتى أنا أعرفه، على رغم أني لا أكاد أفرق بين كرة القدم والسلة، وشاركت في 1998 في دورة إعلامية تدريبية في الولايات المتحدة وكان من مجريات البرنامج لقاء مع طلاب مدرسة ثانوية تجمعوا حولي ليسألوا عن الشرق الأوسط، لم يسمع أحد منهم من قبل عن الأردن وعندما قلت لهم «جوردن» هتفوا جميعاً بصوت واحد مايكل جوردان وعرفت منذ تلك اللحظة أن اسم بلدي يشبه اسم لاعب الكرة المحبوب وأملت أن يكون ذلك من حسن طالعي، وإن كان البرنامج لقاءً مملاً للطلاب ولي أيضاً لأني قضيت كل الوقت لأعرض المعلومات الأساسية عن بلدي والدول المجاورة، وكانت الجلسة تبدو بالنسبة لهم مثل تكسير الحجارة.
ولكن الأولاد الأمريكان أفادوني في القراءة عن الرياضة والسيد جوردان الذي قدر تأثيره على اقتصاد الولايات المتحدة بعشرة بلايين دولار، ويعتقد أن صلته بشركة أدوات الرياضة «نايكي» أدت إلى زيادة حوالى 5.2 بليون دولار في مبيعات الأحذية والملابس، ويذكر أيضاً أن الحذاء الرياضي الذي يحمل اسمه إنما يحكي معاناة العمال الصغار من الصبية الذين يعملون بأيديهم في حوانيت وورش لتحصيل لقمة العيش.
وربما تقترب الحركة الإجمالية السنوية لاقتصاديات الرياضة من التريليون، نصفها على الأقل في الولايات المتحدة، ونصفها تساهم فيه كرة القدم، وتبلغ قيمة سوق الأوراق المالية للنوادي الرياضية بالبلايين، وأجور اللاعبين بعشرات الملايين.
ولا تخلو الرياضة بالطبع (وهي كذلك في الأصل) من دور اجتماعي وثقافي وخدمة مجتمعية لكنها في جانبها الصارخ تبدو أداة في يد الأقوياء، وإنما هي متعددة الوجوه، وتمثل تعبيراً عن تراث الشباب والشعوب المحرومة في أنحاء العالم، وترفع من عزيمتهم ومعنوياتهم وتساعد الناس على المحافظة على لياقتهم البدنية.
وقد صدر كتاب للمجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت بعنوان «الرياضة والمجتمع» للدكتور أمين أنور الخولي، ولعلي بحاجة للإطلاع على هذا الكتاب أكثر من القراء، ذلك أن د. أمين الخولي يقول إن الرياضة جزء أساس من مكونات المجتمع وأننا بحاجة إلى «خطاب رياضي عربي» ينهض بشباب الأمة ويحميهم من الانحراف والوهن، والأمم منذ القدم تنظر إلى الرياضة باعتبارها عامل تنشئة وبناء للشخصية القوية الاجتماعية المتوازنة، عدا عن آثارها الإيجابية على الصحة والنفس والهمة.
وبالطبع فإن اللعب ضرورة أساسية للأطفال وهو المدخل الأساسي والضروري لتعليمهم، ويحتاج الأطفال إلى الرياضة لتعلم التعاون، والتنافس، والعمل الاجتماعي، والعمل بروح الفريق. وتحقق الرياضة للأطفال ولأغلب الناس الانتماء، والمكانة الاجتماعية، ونقبل التنظيم الاجتماعي، وترسيخ الأخلاق الاجتماعية، وملء أوقات الفراغ، والتفريغ المقبول لبعض الدوافع والاحتياجات، والتخلص من العدوانية، وتنمية الشخصية الاجتماعية، واللياقة البدنية والقوام الصحيح، والتوافق الشكلي والتركيب الجسمي.
وأتذكر في طفولتي أننا كنا نمارس مجموعة من الألعاب الشعبية، ولكنها ألعاب لم يكن معترفاً بها في حصة الرياضة، وكنت شخصياً أشعر بعبء نفسي كبير بسبب حصة الرياضة لأني كنت غير قادر على المشاركة في الألعاب المقررة في الحصة المدرسية، ولكني كنت أجد متعة كبيرة في الألعاب التي كنا ننظمها في الصباح قبل بدء اليوم الدراسي وفي المساء، وبقيت أتساءل لماذا لم تكن ألعاب مثل «صيد السمك، وسبع حجار، واطعم زين» جزءاً من حصة الرياضة.
ويقدم الدكتور حسين محادين أستاذ علم الاجتماع بجامعة مؤتة، والأستاذة هيام القيسي، في كتابهما علم اجتماع الرياضة، دراسة تطبيقية على بعض الألعاب الشعبية الصغيرة في المجتمع الأردني، والواقع أنها (الدراسة) مبادرة رائدة للمعالجة الأكاديمية والثقافية للرياضة والتسلية وموقعها في المجتمع والثقافة، ففي غياب هذا الوعي لتعبير الرياضة عن احتياجات اجتماعية وثقافية تتحول الرياضة إلى عبء اجتماعي وثقافي واقتصادي أيضاً، وفي غياب السؤال عن علاقة الرياضة بالمجتمع والثقافة لن تصل الرياضة مهما أنفق عليها إلى أهدافها المفترضة.
فالرياضة على علاقة وثيقة بالتربية والتنشئة والثقافة والتراث وأسلوب الحياة، ويمكن أن تشكل أساساً أو مدخلاً في البلديات والأحياء للتجمع والتشاور والتعارف لتمتد هذه العلاقة إلى مجالات أخرى في الانتخابات والسياسة والاقتصاد.
الرياضة الشعبية جزء من الثقافة وأسلوب الحياة الذي تعتني به الدول جميعها، وتنظم المباريات والمهرجات لأجلها، ويمكن أن تكون جزءاً من نشاطات المدارس والكليات الجامعية وبيوت الشباب والأندية الرياضية والبلديات والمهرجانات الثقافية والسياحية.
وبتوثيقها وتحليلها يمكن تطويرها لتلائم أساليب الحياة المتعددة والأعمار والمناسبات والأمكنة، فيمكن تنظيم ألعاب للصيف وأخرى للشتاء، وألعاب للساحات المفتوحة وأخرى للأماكن المغلقة، وفي طبيعة بعض الألعاب التنافسية والمفتوحة فإنها تصلح في الاحتفالات والتجمعات الاحتفالية في الأمسيات والمهرجانات، وفي ملاءمتها وتطويعها للظروف المحيطة فإنها تقلل التكاليف وتصبح في متناول جميع الناس، وفي الوقت نفسه فإنها تحقق بناء جسدياً وحركياً وذهنياً للناشئة، وتمنح المجتمعات والمشاركين قيماً من التنافس والتعاون والتجمع والمشاركة وبناء العلاقات الاجتماعية، وهي للأطفال بخاصة ذات ضرورات معرفية وتنشئوية لتنمية الخيال والإدراك والذاكرة والتفكير والانفعالات والسلوك الاجتماعي والأخلاقي، والتقليل من قسوة التعليم وملله واستيعاب حيوية الأطفال وطاقتهم.
ولكن يبدو أنها كتب تأخرت بالنسبة لي أربعين سنة على الأقل، ولو كنت طالباً في المدرسة اليوم لحملته إلى المدير وأساتذة الرياضة لأقنعهم بحصص للرياضة تكون كما كنا نلعب بعد المدرسة، فالأساتذة الأكاديميون اليوم ينتصرون لرأينا عندما كنا أطفالاً، ولكن للأسف الشديد كان الأساتذة يحتقرون ألعابنا، وكنا نتمزق بين «الرؤية التقدمية» للأساتذة وبين نزعتنا الاجتماعية والثقافية وشعورنا بالانسجام مع ألعابنا.
* كاتب أردني.














