أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • عابر حياة - بشريّة الإنسان وإنسانية البشر
    الخميس, 02 سبتمبر 2010
    ثريا الشهري

    أصل كلمة الإنسان من الفعل أنس وتعني لغوياً ظهور الشيء وكل ما وافق الأنس به وخالف التوحش، فيقال أنس الإنسان بالشيء إذا لم يستوحشه. أليس الانسان اجتماعياً بطبعه؟! فما أصل كلمة ناس؟ جاءت من نوس وهي في اللسان العربي أصل، ويدل على الارتباك والتذبذب، فعند اجتماع الإنسان بأخيه الإنسان ينجم عن هذا اللقاء اضطراب في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فلم تسر حياة الإنسان في شكلها الرتيب لكنها اضطربت وأصبح الناس ينوسون. وكلما توغّل الإنسان في تقدمه الإنساني ارتفعت حدة النوسان. وكم أرأف بحال من اضطرته مهام وظيفته إلى الالتقاء على الدوام والاستمرار بعدد من الناس والدخول معهم في التفاصيل وتشعباتها، فالإنسان عموماً، وكي يستمر عطاؤه وتركيزه على درجات متقاربة، لا بد له من عملية تصفية داخلية (مجازاً) لتفريغ الشحنات المختلفة (غالباً سلبية) التي دخلت وتقاطعت مع حيّز ومحيط طاقته.

    حتماً لا بد «لنفسه» من وقت مستقطع من حين لآخر، فالروح تختنق إن لم يفعل، لأن الناس مرض الروح إن حاصروها. وكم تضبطنا في أكثر الأحيان ونحن نتجاهل الخطوط التي نقف عند حدودها في علاقاتنا بالآخرين، فتجد الإنسان وقد اعتبر صديقه بقية من متاعه، فإن سمع لهذا الصديق كلمة عتاب أو صرخة تطالب باسترجاع منطقته الشخصية التي احتلها أخوه الإنسان باسم الصداقة، تجد الغازي يصم صديقه بالأنانية وعدم الولاء لإشعاره بالذنب، مع أن التصرف والخيار الأنضج كان في إعادة النظر في مفهومه «هو» للصداقة.

    الخطاب القرآني يبدأ دائماً بصيغة العاقل «يا أيها الناس»، فعندما ذكر الله خلق الإنسان قال تعالى: «خلق الإنسان من علق»، ولكن عندما ذكر التفاصيل وطريقة الخلق، قال تعالى: «... إني خالق بشراً من طين». فالفرق واضح بين البشر والإنسان، ذلك أن الأول إنما يعني الوجود الفيزيولوجي المادي للإنسان ككائن حي له صفة الحياة ضمن مجموعة مخلوقات أخرى حية، فتجد أن مسمى كلية الطب هو «كلية الطب البشري»، وليس كلية الطب الإنساني، فالبشر ترتبط بتباشير الإنسان أي أوله، إذ إن تباشير كل شيء أوائله ومراحله البدائية، وهو ما يفسر من جانب آخر مسمى كلية العلوم الإنسانية التي تدرّس العلوم الخاصة بالإنسان من لغات وتاريخ وجغرافيا وفلسفة وعلم نفس واجتماع وسياسة واقتصاد وفنون بأنواعها، أي الإنسان بعدما استأنس، والآيات التي جاءت على ذكر البشر وتعني الوجود الفيزيولوجي المادي للإنسان إنما دلت على جنس هذا الوجود كبشر، فهو ليس ملكاً وليس جنساً من نوع آخر، أما قوله تعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء...»، ففيه تأكيد على طريقة الوحي للجنس البشري، يقول تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل...»، فمما لا شك فيه أن طريقة وحي الله للنحل غير طريقة وحي الله للبشر.

    بقيت كلمة أخيرة وتخص قارئ المقالة، فالهدف من الكتابة كما أراه هو الإتيان بشيء يفيد القارئ ولا يضيع وقته وجهده الذي خصصه لمتابعة مساحتي، والتحفيز عادة ما يعود بريعه الى الكاتب والقارئ معاً، فالكاتب كلما بحث في القراءات وأشغل عقله في الاستنتاجات، فإنه يفعل بمزيد من الشغف والتعلق بما غاب عنه، فكلما غرف من بحر المعرفة ازداد عطشاً، ليظل عمله في النهاية ضمن دائرة الاجتهاد الإنساني والتراكم المعرفي لمن سبقه، لتأتي مهمة القارئ فلا تقف عند حدود المقروء، ولكن تتعداه إلى التفكير والاستنباط والإضافة والتعليق إن أمكن. أما مسألة الإصرار على النقد لمجرد النقد وعلى أن الاجتهاد في غير محله، فلا أعرف صراحة ما الاجتهاد المعرفي الذي في محله ويراه القارئ العزيز؟

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

نعم للعتاب ! ونقد القاريء لا يفسد للإعجاب قضية !

أتفق مع ثريا بأننا جميعا نتعرض أحيانا للمبالغة في مفهوم الصداقة، فإن حصل فالأجدى في هذه الحالة هو التواصل (لترسيم الحدود) لا المقاطعة! ! لنكتشف أن من اعتقدنا أنه "تمساح" إنسان بالغ الحساسية. كم هو مفيد ان نعاتب ولكن في الصرخة نظر قبل العتاب !.كلنا نخطيء ولكننا نخطيء لنذكرنا باننا بشر في الأصل وإنسانيتنا موضوع نسبي.
أما بالنسبة لنقد القراء فلا أرى من انتقد مقالات الكاتبة بشكل يشكك في قدراتها على البحث والاستنتاج !. لابد ان يحصل احيانا اختلاف في الرأي حول قضية معينة وهذا لا يفسد للإعجاب قضية.

عابر حياة - بشريّة الإنسان وإنسانية البشر

الموضوع لا بأس به واعتقد ان الاخت تصلح مدرسة فلسفة او لغويات واعتقد ان تواجدها في مجلات ثقافية تصدر في الشهر مرة أفضل .

عابر حياة - بشريّة الإنسان وإنسانية البشر

تحليل وبحث جميل ومفيد
كنت اظن كما يظن كثيرا غيري ان الانسان سمي انسانا لان من صفاته النسيان
شكرا على المقال المتميز

الاجتهاد

بسم الله الرحمن الرحيم...
الانسان الذي يريد ان يجتهد عليه ان يمتلك ادوات الاجتهاد بداية ليس في الفقه وحده ولكن في شتى صنوف العلم والمعرفه ولا احد ينكر ان الكثير من الناس لديهم المقدره على ذلك بما حازوه من احاطه ودرايه ومطالعه واستنتاجات وابحاث معمقه...لكن الاجتهاد المعرفي الذي ليس في محله هو الاجتهاد الذي يدعي صاحبه انه اجتهاد وما هو الا عباره عن استنتاجات مغلوطه وقناعات جديده مغايره لما اتفق ورسى العلم عليه بلا ادنى ريب او شك.
فلا ياتي احد ليقول اني اجتهدت ان الشمس تطلع من المشرق
ولا يأتي احد ليقول اني اجتهدت ان الشمس تطلع من المغرب
فكلا المدعيين كاذبين لأن الاول ليس اجتهاد والثاني ليس اجتهاد فالشمس تطلع من المشرق ليس باجتهاد الاول والثاني اثبت انه مأفون لأنه خالف ثابتا ونسف علما.
ان كان التراكم المعرفي لم يؤدي الى ثابت علمي فكيف تطورت المعرفه وعلى اي قواعد رست ؟؟!!

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية