أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • كيف تكون رئيساً توافقياً؟
    السبت, 20 مارس 2010
    الياس حرفوش

    لم تكن مصادفة ان يحمل الـ «سي في» (CV) الذي حدد مواصفات رئيس الجمهورية بحسب اتفاق الدوحة صفة «توافقي». الامر ذاته يمكن ان يقال عن الحكومة التي كان مرغوباً تشكيلها بعد الانتخابات النيابية الاخيرة، والتي أعطيت صفة «حكومة الوحدة الوطنية». الهدف كان واضحاً، وهو افراغ الحياة السياسية في لبنان من معناها الحقيقي الذي يتمثل في حرية الخيارات المتاحة امام المسؤولين فيه، وفي قدرة المؤسسات على القيام بدورها بعيداً من اية وصاية. فرئيس الجمهورية في لبنان بات محكوماً بمعايير في سلوكه السياسي لا تنطبق على اي رئيس او اية دولة، لا في المنطقة المجاورة ولا في العالم. والانتخابات النيابية ممنوع عليها انتاج حكومة تعكس حقيقة توجهات الناخبين وتعبّر عن خياراتهم.

    لهذا لا يُحسد الرئيس ميشال سليمان على الدور الذي انتُدب للعبه. اذ كيف له أن يلعب هذا الدور وهو الذي بات مطلوباً منه، كلما افاق من نومه كل صباح، أن يحمل ميزان «التوافق»، ويزن به أي قرار يتخذه: هل يشكل هذا الخطاب أو ذاك التصريح خرقاً للتوافق؟ (كما قيل عن دعوته الى معادلة س س م، والتي اضاف فيها مصر الى معادلة الرئيس بري الشهيرة)؟ وماذا عن استقبال فلان من السياسيين من دون سواه؟ أو عن زيارة البلد الفلاني قبل بلد آخر؟ وماذا لو اختار رئيس الجمهورية سياسياً من لون معين للجلوس الى طاولة الحوار، لأنه يرى انه يمثل وزناً معيناً، ولم يختر سياسياً آخر من اصحاب الاوزان الخفيفة؟

    باختصار وببساطة، كانت صفة «التوافقي» التي اعطيت لوظيفة رئيس الجمهورية بمثابة امتحان عليه أن يخوضه وينجح فيه كل يوم. ولم يكن هذا منصفاً لرجل لم يقصّر، بالتعبير والممارسة، وباعتراف قادة المقاومة انفسهم، عن اثبات صدقيته في التعامل مع القضايا التي تهم الذين فرضوا صفة «التوافق» على الـ «سي في» الرئاسي. فالعماد ميشال سليمان اثبت عندما كان قائداً للجيش، وعلى الخصوص خلال حرب تموز 2006، انه ليس بحاجة الى شهادات وامتحانات من هذا النوع.

    كل هذا يستدعي السؤال عن مبررات الحملة التي نشهدها اليوم على رئيس الجمهورية. وهل المقصود بها هو هذا الرئيس بالذات، ام المقصود هو الدور الذي يفترض ان تلعبه مؤسسة الرئاسة كرمز لسيادة الدولة ووحدتها، وأن تمارسه بحرية، وأن يتاح لها، اي للرئاسة الاولى، أن تكون قادرة على اخذ مسافة معقولة حيال الضغوط من اي اتجاه، سواء كان هذا الاتجاه داخلياً ام خارجياً. فمهما قيل عن الرئيس الحالي ومهما كانت الملاحظات على أدائه الرئاسي، يبقى ان هذا الأداء مختلف عن اداء سلفيه اللذين توليا هذا المنصب منذ اتفاق الطائف، الذي ارسى قواعد جديدة لصلاحيات الرئيس، وهو اختلاف يصب في مصلحة تعزيز دور رئيس الجمهورية، على رغم التقليص الذي اصاب هذا الدور، وكذلك وخصوصاً في مصلحة استقلالية هذا الدور، مقارنة بالتبعية التي اختار سلفاه سلوكها.

    ولعل هذه التبعية بالذات هي التي يدعو اليها المتحاملون اليوم على الرئيس سليمان، والذين يعتبرون ان عدم سلوكه هذا الطريق يدفع الى التشكيك في مدى «توافقيته». أليس اصحاب هذه النظرية هم الذين أخذوا مثلاً على النائب وليد جنبلاط، وعلى رغم التحولات التي مر بها، انه لا يزال يراعي حسابات الموقف «الوسطي»، في الوقت الذي ماتت الوسطية في لبنان بنظرهم؟

    لقد تجاهل الرئيس ميشال سليمان الى الآن الرد على الحملة التي يتعرض لها، واختار الصمت بدلاً من المواجهة. وحتى عندما اقترح مجلس الوزراء في جلسته الاخيرة اصدار موقف بدعم سليمان، تمنى هو على المجلس تجاهل هذا الموضوع. لكن التجاهل لا يعني أن الذين يقفون وراء الحملة قد تراجعوا، أو ان مرحلة اختبار اداء سليمان قد طويت. فعلى ضوء الانقلاب الذي تشهده موازين القوى في لبنان، والتفكك الحاصل في التحالفات السياسية، سيكون هذا الأداء عرضة للمراقبة والحساب اكثر من اي وقت. وسيكون على سليمان ان يثبت حقيقة فهمه للتوافق، على انه ليس شللاً للرئاسة ودورها، بل وقوفاً في الوسط بين النزاعات السياسية، من دون ان يكون هذا الموقف على حساب سيادة الدولة، أو أن يدفع الرئيس ثمنه خضوعاً لمختلف الضغوط.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

كيف تكون رئيساً توافقياً؟

أنا لاأقتنع بتوافق الأضداد, فلكل اتجاهه المضاد, ومع كل حدث سيبرز هذا التضاد وسيدخل التوافق في إشكال ويتعثر.
وعليه ربما يكون الرئيس التوافقي رئيس هدنة, طالما أن الداخل ممنوع من الحسم, وبقرار من الخارج يرى لبنان تحت الوصاية.

أيمن الدالاتي _ الوطن العربي

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية