-
«الشجرة المسحورة» في الليلة الكبيرةالجمعة, 19 مارس 2010
كان كبيراً التحدي الذي واجه اللجنة لاختيار فيلم الافتتاح بين مئتي فيلم من اثنتين وخمسين دولة، ما يعكس خبرة عشرين عاماً هي عمر المهرجان الذي أسسه الكاتب الراحل سعد الدين وهبة وتسلمت رايته وزارة الثقافة. أضحت لدى اللجنة قاعدة ثقافية وفنية لاختيار الأفلام للمسابقة الرسمية خصوصاً لحفلة الافتتاح، كأن يكون في المقام الأول فيلم ممتع ومستوحى من عالم الأطفال بأمانيهم وأحلامهم من دون تجاهل أحزانهم. ومن هنا يحذر التعاطي مع مشاهد العنف والرعب وكل ما يخدش براءتهم. كان هناك ميل لدى الأعضاء ألا يكون فيلم الافتتاح أميركياً وبالطبع لم تكن المفاضلة ميسورة الى أن أجمعت الآراء على الفيلم البولندي «الشجرة المسحورة» من إخراج اندريه ماليسكا.
حفل الافتتاح، بإشراف الأمين العام للمهرجان سهير عبدالقادر، جاء غاية في البهجة بشهادة الذين احتشدوا في ساحة الأوبرا وداخل المسرح الكبير. ففي الساحة نصب مسرح العرائس خيمته ليقدم الليلة الكبيرة أحد ابداعات صلاح جاهين وسيد مكاوي التي ترددها الاجيال. وعلى المسرح الكبير قدم الأطفال فقرات الحفلة بثلاث لغات. عرض أكثر من مئتي طفل عروضاً فاضت بالحيوية وجمال التصميم والألوان للمخرج اللبناني وليد عوني وتبعتها فقرة التكريمات لتضج جنبات المسرح بعاصفة من التصفيق حباً في نجوم الفن الذين أمتعوا الأطفال، منهم رائد البانتومايم أحمد نبيل ومطرب الأطفال طلعت عطية، إضافة إلى كبار الفنانين عفاف راضي ويحيى الفخراني ومحمد ثروت ومحمد هنيدي. وادخر عوني لختام الاستعراض أجمل مفاجأة حين انزاح ستار عن باقة من البراعم في مصاحبة نانسي عجرم لتغني بعض أغنياتها ويشاركها الغناء الكبار والصغار.
تختزن الذاكرة عشرات الشخصيات التي خلدتها الأفلام فسكنت وجدان الأطفال ومنها شخصيات الملوك العظام والأميرات الجميلات، والساحرات والجنيات، مهرجو السيرك والحيوانات الصديقة، العرائس واللعب وكائنات الفضاء. غير أن المخرج اندريه ماليسكا ابتكر شخصية عجيبة لتكون محوراً لأحداث «الشجرة المسحورة» فهو خلال بناء ثري بالمغامرات المثيرة والمواقف الباسمة والأبطال الصغار الشجعان يؤكد حقاً من حقوق الطفل، وهو حق الاستمتاع بالدفء الأسري. في الحكاية كرسي من الخشب يملك خاصية سحرية هي إمكان الحركة الذاتية. والأهم أن الكرسي العجيب يحقق أماني كل من يجلس عليه بمجرد أن ينطق بها.
قبل العناوين يصحبنا المعلق إلى هولندا لنلتقي حذاء تراثيا من الخشب ولديه طاقة التحرك الذاتي وفي بلدان أخرى نلتقي زلاجة وخزانة ملابس وأشياء كثيرة مصنوعة من الخشب وتمتلك الخاصية ذاتها، الأمر الذي يثير التشوق لمعرفة أصل الظاهرة. يعود بنا المعلق إلى يوم عاصف قبل سنوات حين تصيب صاعقة شجرة بلوط معمرة فتقتلع جذورها من الأرض لتكتسب كل الأشياء التي تصنع منها تلك الطاقة العجيبة ومنها الكرسي بطل الفيلم ومحرك الأحداث، ليتصارع أكثر من شخصية على امتلاكه. وبالتالي تتنوع امنياتهم باختلاف طباعهم فيتعقبه المهرج الشرير ليحوز أموال العالم والخالة المتسلطة لتحقيق رغبات انتقامية، أما أبطال الفيلم الصغار «كوكي» و «فيليب» و «توشكا» فيسعون إلى غايات نبيلة هي أن يلتئم شمل الأسرة والتي تمثل حقاً من حقوق الطفل.
في المشهد الافتتاحي تتدفق الأحداث بسرعة، إذ يسارع الوالدان إلى السيارة ليقدما عزفاً موسيقياً في مهرجان شعبي ويفاجآ بظهور أبنائهما الثلاثة في السيارة تأكيداً على رغبتهم في عدم الانفصال عن والديهم. خلال المشهد ذاته نتعرف إضافة للأسرة على المهرج الشرير والخالة المتزمتة. ويقتحم الكرسي عالم الأولاد ليلاحظ الأطفال ظاهرة عجيبة لا يدركون سرها، فما أن يعبّر الصغير «كوكي» عن رغبته في بيتزا شهية حتى يصل على عجل المندوب ليقدمها لهم وينصرف على الفور، ما يثير دهشتهم وقلقهم لعدم قدرتهم على دفع الثمن، وحين تعرض الخالة على الولدين عملاً كعازفين على باخرة عابرة للمحيط تتحول الأم عن ارتباطها الحميم بأولادها الى قبول العرض، وهو الامر الذي يعجز الصغار عن تفسيره.
أمنيات متواصلة
وحين يعاني الصغار تسلط الخالة وتزمتها يفيض حنينهم لوالديهم ويقدرون أن السر يكمن في الكرسي فينطلق الشقيقان على دراجاتيهما ليجوبا المدينة ذات الطراز الخاص بحثاً عن الكرسي في سلسلة من المغامرات الثرية بالاثارة والفانتازيا وأيضاً المواقف الطريفة.
ولاحقاً حين يطالب المهرج الشرير بثمن تنازله عن الكرسي وبمجرد أن يتمنى فيليب نقوداً تغلي المياه في الأنابيب وتتصاعد الأنجرة لتساقط العملات من الصنبور. وحين تعفي الخالة الخادمة من خدمتها وتحرمها أجرها يستعين كوكي بالكرسي لفتح حقيبة الخالة من بعيد لتتطاير الأوراق النقدية وتتلقفها الخادمة في حال من الدهشة، وفي مستهل رحلة الأولاد للحاق بوالديهم يستقلون سيارة عامة فيحولون اتجاهها لتندفع بقوة وتقتحم أحد المقاهي ما يثير فزع الركاب ورواد المقهى بينما يلاحقهم المهرج للاستحواذ على الكرسي.
في رحلة بالقطار يوفر لهم الكرسي كميات من الحلوى. ويأتي أطرف المواقف حين تكتشف المحصلة أنهم لا يحملون تذاكر للسفر فتتعامل مع الموقف برقة وتروي لهم كيف انها حين هجرت بيت الأسرة لأنها تمنت أن تقتني كلباً فتفاجأ بكلب صغير لطيف على ركبتها وكلاب أخرى من حولها ليمتلئ ممر القطار بالكلاب اللطيفة. وتستحوذ الخالة المتسلطة على الكرسي فتظهر لها من باطن الأرض مائدة حافلة بأصناف الحلوى والفاكهة. وحين تتمنى أن تلقي نظرة على موقع اختفاء الأولاد ترتفع عالياً في الفضاء فلا ينقذها سوى استعانة الصغار بالكرسي لتسقط بسرعة مذهلة في أعماق بركة لتندفع عشرات أطواق النجاة حتى تغطي سطح البحيرة لانقاذها. وفي الختام يخوض الأولاد مغامرة مثيرة حين ينزلقون خلال أنبوب ضخم يصلهم بسطح الباخرة. وفي مشهد غاية في التأثير يلتقي الأب والأم الأبناء. ويتوهج إبداع المخرج حين ينخلع بيت الأسرة من جذوره وينطلق محلقاً في الفضاء، إشارة من المبدع إلى أن العرض ضرب من الخيال.
«الشجرة المسحورة» عمل مدهش ثري بالمغامرة ويلفت نظر الآباء إلى احتياج أساسي للأبناء، إذ أضحى من مظاهر العصر اغتراب الوالدين سعياً للرزق مخلفين الأبناء يعانون مرارة الفراق.














