-
«الوحش المفترس»الخميس, 18 مارس 2010
قال الشاعر المصري عفيفي مطر في أحــد حــواراته المنشورة على موقع «دار الكشكول»، أنه اكتشف وبعد أن بلغت ابنته سن العاشرة، أن «التلفاز قد سرقها منه واستلب خيالها»، وأنها تحفظ جميع الإعلانات عن ظهر قلب بعد أن حرمها بسبب انشغاله من عالم الحكايات والقصص الشعبية الحميمة والثقافة الشفاهية التي تربطها بالحياة والبيئة والمعارف الأولية بالكائنات من نبات وحيوان وحشرات وطيور. وحين قرر الشاعر أن يتابع معها برامج الأطفال هالته «تفاهتها وقدرتها التدميرية»، ما جعله يرى في التلفاز «أبشع عمليات الاغتصاب الجماعي للبراءة والخيال والذكاء»، ثم سأل نفسه «أما من مقاومة لهذا الوحش المفترس؟».
حضرتنا أقوال هذا الشاعر والكاتب، ونحن نرقب مشهداً في برنامج حواري على فضائية ما، فلا فرق وما حدا أحسن من حدا في هذا المجال، مع أطفال صغار حول «أهمية الحيوان للبيئة» وهو هدف «نبيل» لبرنامج تلفزيوني(!). سألت المذيعة طفلاً منهم حول فائدة الحيوان للبيئة. حين يطرح سؤال كهذا على صغير في السادسة أو السابعة، تكون أمام خيارين إما أنه قد لقن الجواب قبل البث وحفظه عن ظهر قلب، أو أنه ببساطة سيصمت أمام هذا السؤال العويص الذي لا يفقه معناه ولا يرى حقاً مغزاه. قد يكون الطفل رأى الكثير من برامج الحيوان على الشاشة، لكنها بالنسبة اليه برامج في المطلق لا ترتبط بحياته اليومية التي يقضيها في غرفتة مسمراً أمام هذه الشاشة، برامج لا تحثه على عمل الذهن والتفكير ولا تشحن خياله. هنا، صمت الطفل وبدت الحيرة عليه. فنفحته المذيعة بالجواب» يقدم لنا الغذاء وهو جيد للبيئة. ما هيك؟» (نتساءل هنا عن الإضافة التي أعطتها مقارنة بالسؤال)، وما كان أمام الصغير سوى هز رأسه موافقاً. الطفل الذي يقضي ساعات يومياً محصوراً في غرفة أمام التلفاز، كيف له أن يعرف شيئاً عن «البيئة الخارجية» المحيطة به؟ عن الحيوانات التي لم يرها والأشجار التي لا ينتبه إلى وجودها، والطيور التي لا يسمع غنائها...
التلفزيون حتى حين يريد «تثقيف» الأطفال يقوم بدور سلبي ويعلمهم التلقين من الصغر، وهو وإن أعطاهم المعرفة أحياناً فهي معرفة سطحية، وهمية لا ترافقها تجربة حقيقية. فصحيح أن الصغار يعرفون اليوم الكثير من خلال التلفزيون لكن معلوماتهم هي مجرد إعادة لما سمعوه وليس لما اكتشفوه ولمسوه بأنفسهم. يقوم الطفل بتكرار ما لقن من معارف من دون أن يشعر بمدى علاقتها بالحياة وبالبيئة «الخارجية» المحيطة به.














