أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • حرج دولي في التعامل مع إسرائيل؟
    الأحد, 14 مارس 2010
    نهلة الشهال

    هو، فلنسارع إلى القول، حرج شكلي فحسب، يتواطأ معها عند اللزوم لإيجاد المبررات والمخارج التي تنقذ حسن المظهر. ويثير هذا الواقع مسائل من قبيل مكانة القانون الدولي كضابط ومرجع في العلاقات، كما قيمة المبادئ العامة الفكرية والإنسانية المقرة في تشريعات يفترض بها أن تؤطر الممارسات السياسية للدول. وليس من عجب بعد ذلك إن كان المعتقد العام السائد خارج مجتمعات «المركزية الغربية» لا يكترث بتلك المرجعيات ولا يؤمن بوجودها بل يسخر منها، حين لا يدرجها في خانة أدوات التآمر عليه. ويزيد الطين بلة، ويعزز هذا الاعتقاد، احتفال النظم الحاكمة في المنطقة العربية، مثلاً، بكل بادرة تصدر عن «المجتمع الدولي»، معرَّفاً بالمنظمات أو بالناطقين باسم الدول الكبرى، تدين، وإن بوجل، أي ممارسة إسرائيلية. وهي تفعل مضخمة دلالاتها، نافخة فيها. وإنْ يحدث ذلك تشجيعاً للمجتمع الدولي على المزيد، كما يدعي مسؤولو تلك النظم. إلا أن ما يُفهم عموماً هو تمويهها عن عجزها هي نفسها عن إبداء أي فعل مؤثر على المستوى الرسمي الدولي، واستكانتها إلى الواقع القائم، بل وفي أحيان كثيرة بحثها عن وسائل تثمير لعجزها وتواطئها. ولأن الناس خبروا تلك النظم، فهم ميالون الى الوقوف في الضد من كل ما تقوله وتفعله، مما يعزز الريبة في المجتمع الدولي وفي المبادئ العامة تلك التي يفترض أنه يرجع إليها. ولعله ينبغي البحث هنا عن السبب الذي يجعل خطاباً متهافتاً كخطاب بن لادن والقاعدة يلقى هوى لدى الناس، وإن لم يتَّبعوه.

    ويعود هذا التقدير مراراً إلى الحضور. بل يكاد حضوره يكون متصلاً، لا تأفل حادثة حتى تليها أخرى. واليوم، وقبل أن يُقفل باب التعامل الدولي مع تقرير غولدستون، يُطرح موضوع انضمام إسرائيل إلى «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD) التي أصبحت منظمة دولية عام 1961، بعدما كانت واحدة من أطر خطة مارشال الأميركية تجاه أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ضمت إليها تباعاً تركيا والمكسيك وتشيخيا، وبعضها تمتلك اقتصاداً أقل متانة من الاقتصاد الإسرائيلي، وتنتظر دول أخرى الانضمام، منها... روسيا!

    بدأت القصة حين دعيت إسرائيل رسمياً عام 2007 إلى تقديم ترشيحها. وفي البيانات المطلوبة منها عن حالة اقتصادها، مزجت إسرائيل بأرقامها الخاصة عن النمو تلك العائدة إلى القدس الشرقية ومرتفعات الجولان المحتلة والمستوطنات في الضفة الغربية!! وقيل لها بحرج إن عليها تصحيح الأرقام، والحرج أرفق بسرعة بالطمأنة، فعُدّ ذلك ممكناً بواسطة عمل مشترك مع اللجنة الإحصائية للمنظمة في «السنة التي تلي انضمام إسرائيل»، بحسب التقرير الداخلي الذي صدر أول شباط (فبراير) 2010. وهو يشير إلى تحقق انضمام إسرائيل إلى المنظمة في أيار (مايو) المقبل، عند اجتماع أعضائها الثلاثين. وقد أكدت ذلك السكرتيرة العامة للمنظمة أثناء زيارتها إسرائيل مطلع العام، وعاد إلى تأكيده وزير الاقتصاد الإيطالي منذ أيام.

    أما إسرائيل نفسها، فتعتبر نجاحها في الخطوة مكسباً معنوياً أولاً، قبل أن يكون اقتصادياً. وهي تريده كـ «برستيج» كما قيل حرفياً، وكجزء من معركتها لإحباط محاولات «المس بصورتها وشرعيتها». وفي الحقيقة، يتعــــدى المكـــسب هذه الاعتبارات، على أهميتها، ليضفي شرعية دولية على احتلال اسرائيل للقدس والجولان، اللتين ضمتهما في مخالفة صريحة للقانون الدولي، وعلى مستوطناتها في الضفة والتي يفترض تفكيكها! وبذلك تكون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سباقة في تسجيل أمر في غاية الخطورة هو تثبيت الاحتلال.

    ويتحدى المواطنون الفلسطينيون الذين بقوا في أرضهم المحتلة عام 1948، وهم خمس سكان إسرائيل، الطلب الإسرائيلي. وقد أرسلت «لجنة المتابعة العليا» العائدة لهم باعتراض إلى المنظمة الدولية، طالبة منها رفض ضم إسرائيل بسبب سياسة التمييز العنصري حيال مواطنيها من الفلسطينيين، وبسبب التزوير في بياناتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن نصف السكان العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية يعيشون تحت خط الفقر، وأن راتب الفلسطيني الحامل للجنسية الإسرائيلية يبلغ ثلث راتب اليهودي الإسرائيلي لعمل وكفاءات موازية... لكن تلك المخالفات كلها، والتزوير في البيانات، والتمييز ضد جزء من السكان على أساس هويته، وكذلك واقعة اندراج إسرائيل في موقع مرتفع في سلم الفساد، مما يخالف واحدة من أبرز مقاييس المنظمة، علاوة على ممارساتها العدوانية وبينها القتل الجماعي، تبدو تفاصيل أمام أعين المنظمة المهمومة بترتيب الوثائق والبيانات الإسرائيلية لتبدو ملائمة لمقاييسها، ولتلائم خصوصاً ضم إسرائيل إليها.

    وحيث مقر منظمة التعاون باريس، يحضر اليوم حادث ثان مرتبط عضوياً هذه المرة بمدينة الأنوار. فقد قررت بلديتها إطلاق اسم بن غوريون على إحدى أجمل مناطقها، منتزه على ضفاف نهر السين، مقابل متحف «برانلي» المخصص لـ «فنون وحضارة أفريقيا وآسيا وأميركا وأوقيانيا» (ما كان متحف «الفنون البدائية»، فشذِّب الاسم!). القرار اتخذ عام 2008، وسيفتتح المكان في 13 نيسان (أبريل) المقبل بحضور شمعون بيريز. وعلى رغم اعتراضات متلاحقة منذ اتخاذ هذا القرار، تصاعدت بسبب العدوان على غزة، وتجددت مع إجراءات تهويد القدس، والعنف الممارس على سكانها الأصليين وطردهم وهدم بيوتهم، ثم توسيع المستوطنات بلا هوادة... مما لا يحتاج إلى قرائن، ولا يمكن الجدال في توصيفه واعتبار أن هناك بصدده «وجهات نظر»، فإن رئيس بلدية باريس لا يجد موجباً لأي تعديل! فبن غوريون بنظره رجل دولة من طراز فريد. وقد تحمل المناهضون لسياسة إسرائيل مشقة القيام بعمل تربوي تجاه البلدية ورئيسها، فأرسلوا بيانات تشرح تاريخ الرجل، إلا أنهم لقوا آذاناً صماء. وحين انقلبوا إلى محاجّة أخرى تتكلم عن إسرائيل اليوم وممارساتها، قيل لهم: بل الخطوة وسيلة لتذكير قادة إسرائيل الحاليين بـ «عظمائهم» ممن كانوا رجال دولة وبناة لــها وبعــــيدين من الفساد، لعلهم يعتبرون! وقيل لهم على سبيل الترضية، إن هناك ساحة أخرى خصصتها البلدية على ضفاف السين، وفي مكان جميل هـــو الآخر، مقابل معهد الفنون الجميلة الشهير لـ... محمود درويش! وهم، بكل جد، يعتبرون «التوازن» متحققاً في سلوكهم.

    أما التوازن المقابل، ولو بحدوده الدنيا، الذي يمكنه أن يصدر عن الدول العربية، ذاك الذي يغضب ولو لمرة، ويبلغ المنظمة إياها، كما يبلغ بلدية باريس، بأن ذلك لا يُبتلع، فمفقود تماماً.

    * تصحيح: ورد في مقالي المنشور في «تيارات» الأحد الفائت بعنوان «من يرغب بالحرب في الشرق الأوسط» خطأ جعل إيران الطرف الذي لم يطق أنظمة صدّام حسين وقبله جمال عبد الناصر، والصحيح أنّ ذاك الطرف هو: إسرائيل.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية