-
هذا الغرب كريه... وذاك أيضاً!الأحد, 14 مارس 2010
حظي فيلم «أفاتار» باستقبال حار من النقاد السينمائيين الذين أشادوا باختراقه الكثير من الحدود التقنية، ما جعله الأهم منذ فيلم «حرب النجوم» عام 1977. قصته لم تترك انطباعاً مشابهاً: فهي نسخة مكررة عن قصة «الرقص مع الذئاب» أو «البعثة» (ذي ميشن) لناحية محاولات الرجل الأبيض إنقاذ ثقافات الشعوب الأصلية المهددة بالمد الاستعماري.
حصل «أفاتار» على 2.6 بليون دولار من صالات العرض في أنحاء العالم ليصبح أكثر الأفلام جنياً للإيرادات وأول فيلم أميركي يجمع بليون دولار خارج الولايات المتحدة (تتراجع هذه المرتبة بعد حساب التضخم على مدى الأعوام)، هذا من دون ذكر الأموال التي سيحصدها من بيع حقوق النسخ على الأقراص المدمجة للعرض المنزلي والألعاب المختلفة المستوحاة من الفيلم وما يدخل في الباب هذا.
شبكة التسويق والعرض والأرباح التي غطت الكوكب بأسره، هي الابنة الحقيقية لزمن العولمة. في المقابل، فإن اعتراضات الصين التي استبدلت قاعات العرض الكبرى فيها «أفاتار» بفيلم عن حياة كونفوشيوس فيما كان رئيس بوليفيا إيفو موارليس يشيد بالفيلم الأميركي «لإظهاره بعمق المقاومة ضد الرأسمالية والدفاع عن الطبيعة»، عينة على الحساسيات المختلفة التي لامسها «أفاتار» الذي لعب على أوتار العداء للعدوانية العسكرية الأميركية والخوف من الكارثة البيئية واضمحلال الثقافات الأصلية والمحلية. وهذه، في نهاية التحليل، سلع لا تعارض الشركات العابرة للجنسية تسويقها مثلها مثل غيرها من السلع.
تلقت التوليفة الرابحة هذه ضربة قاسية من أكاديمية الفنون السينمائية، فمنح حكامها الأوسكارين الأهم إلى فيلم لم تتجاوز كل عائداته المالية نصف ما أنفق على تسويق «أفاتار». ذهبت جائزتا أفضل فيلم وأفضل إخراج إلى «خزانة الألم» الذي حققته كاثرين بيغلو عن علاقات أفراد فريق عسكري أميركي متخصص بتفكيك القنابل في العراق. لم يحمل الفيلم ادعاءات أخلاقية أو إدانة للاحتلال ولم يوجه رسائل سياسية مباشرة، منصرفاً إلى سبر أعماق الشخصيات وصراعاتها الداخلية ومشكلاتها مع محيطها «المهني» والأسري.
اللافت أن الفيلم أثار حنق عدد من الكتاب العرب لعدم تنديده بالاحتلال الأميركي للعراق ولامتناعه عن رسم أبعاد ممارسات الجنود الأميركيين الوحشية وما تخلّفه من آثار على المواطنين العراقيين. تبدو المقاربة هذه متصلة بالكيفية التي يتشكل بها الوعي العربي. انتشر «خزانة الألم» ونجح خارج آليات السوق ومعاييره الرأسمالية. واستحواذ فيلم متواضع التكاليف تأجل عرضه أكثر من عام لرفض شركات التوزيع الممسكة بالأجزاء الأوسع من السوق تبنيه، حقيقة ينبغي أن تقول شيئاً لمعارضي العولمة وللمدافعين عن حقوق الشعوب في الاستقلال، في آن.
لكن يبدو أن الجانب المتعامل مع الظواهر العالمية، معطل في عقل بعض الكتاب العرب. فهؤلاء يقصرون عن رؤية أن العمل الفني مثل فيلم بيغلو قد يأخذ من العراق والحرب الدائرة فيه خلفية لمقاربة تتجاوز البعد السياسي المباشر. ويبدو أن بيغلو مولعة بهذا النوع من المقاربات منذ فيلمها «نير دارك» عن عصابة من مصاصي الدماء والعلاقات (مجدداً!) بينهم وبين ضحاياهم. لا معنى هنا لمحاكمة مصاصي الدماء تماماً مثلما ينتفي المعنى من محاكمة الجنود الأميركيين في العراق إذا كان الهم الفني يذهب إلى محاكمة العلاقات وليس خلفية المشهد الذي يضمها.
هذا كلام لن يعجب، حكماً، من تربى على قسمة العالم إلى شرق وغرب، يحتكر الأول الخير والنور فيما لا يأتي من الثاني غير الشر والظلام. وتجوز هنا العودة إلى ما أشار اليه الكاتب البريطاني إيه. سي. غرايلنغ قبل أعوام عن خطر المساواة الاعتباطية التي تسود أوساط أكاديميين وكتاب يهتمون بـ «التعدد الثقافي» وبـ «الدراسات الثقافية». ففي رأيه أن القول بتساوي الحضارات والثقافات البشرية كلها يقود إلى حالة عبثية. فمن يرى أن ثقافة جزر الهند الغربية تساوي حضارة الغرب الحديث، على سبيل المثال، يقع في فخ سؤال عن أيهما أهم: قناع خشبي كان يرتديه السكان المحليون في احتفالاتهم الطقسية أم لوحة الموناليزا؟ ينبغي الحذر عند محاولة الإجابة عن السؤال المطروح. فالمسألة لا تتعلق بموقف عنصري متعال من الرجل الأبيض حيال العبد السابق الأسود، ولا بتكرار السعي إلى سلب مواطني الدول الفقيرة في الجنوب خيراتهم المادية من مواد أولية وأيد عاملة رخيصة مقابل ترويج سلع مُصنّعة لا حاجة لهم بها، على غرار استبدال التجار الغربيين القدامى ذهب الأفارقة وحجارتهم الثمينة بعقود الخرز، بل تتركز المسألة حول السعي إلى تحقيق مساواة بين أمور مختلفة لا تصح المقارنة في ما بينها أولاً وأصلاً. وكان أحد كتابنا العرب قد انتبه إلى أن مؤلفات البريطانية جين أوستن، على سبيل المثال، لا تخرج من سياق الهيمنة الثقافية الإمبريالية على العالم الثالث. لماذا؟ يقول إن في رواية لأوستن تمتلك إحدى الشخصيات مزرعة يعمل فيها العبيد وراء المحيط فيما المالك ينعم في بلده انكلترا جراء ما يكابده عبيده. الأرجح أن أوستن ذاتها كانت لتصاب بدهشة عميقة حيال تحليل من هذا النوع. إذ إن الكاتبة التي عاشت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ومثلت أحد التيارات الرئيسة في النزعة الرومنطيقية الغربية، ما كان ليخطر في بالها أنها ستتهم بتأييد الاسترقاق. بيد أن كاتبنا اكتشف ما اعتمل في لا وعيها العنصري، وغاب عن وعيها المزيف.
مهما يكن من أمر، فالمساواة بين الثقافات تمتّ إلى مراهقة فكرية لا تنفك تترجم ذاتها إفلاساً سياسياً ومعرفياً وقصوراً عن الإحاطة بتنوع هذا العالم ورفض حقائقه، ومنها ما سعى «هرت لوكر» إلى قوله وهو قد لا يكون ببساطة ومباشرة «أفاتار». ولعل واحدة من الرسائل التي يحملها فيلم بيغلو هي أن ما جعل أفراد وحدة تفكيك القنابل ينقلبون ضد بعضهم يستحق الإدانة، وهو بداهة، الاحتلال وممارساته. لكن هذا تصريح لا قبل لمن اعتاد تفسير المُفسر، على إدراكه وهضمه مفضلاً الهروب إلى كهف العداء الآمن للغرب على السير في ضوء النهار بكل ما يحمل من مفارقات وتناقضات.














