أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • كبح الضمير الرجعي المستتر في مصر: القضاة نموذجاً
    الأحد, 14 مارس 2010
    هاني درويش

    في مشهد نادر الحدوث، تظاهرت عشرات من سيدات الحزب الوطني الحاكم في مصر الأسبوع الماضي. لا تعود الندرة لمجرد اكتشاف وجود سيدات على المستوى القاعدي في حزب ذكوري الممارسة، بل في لجوئهن إلى تكنيك التظاهر للاعتراض على رفض مجلس الدولة تعيين قاضيات.

    فمن المعروف أن تكنيك التظاهر في مصر عادة ترقى إلى مستوى الرياضة السياسية الناشئة حديثاً مع بداية الحديث عن الإصلاح السياسي قبل ست سنوات، وهو في الغالب تكنيك مطلبي كما في حال الوقفات الاحتجاجية شبه اليومية لبقايا تركة القطاع الحكومي، أو نخبوي معارض كما في حال التظاهرات الموسمية أو المواقفية لحركات الاحتجاج الجديدة.

    فلمن وجهت نسوة الحزب الوطني هتافاتهن؟ لمجلس الدولة أم لكاميرات التلفزيون بمنطق اثبات الموقف النسوي الحاكم؟

    المراقب للنظام في مصر سيشهد تراجع عدد من يدفع بهن الحزب الوطني للانتخابات البرلمانية والتشريعية في السنوات الأخيرة من النساء. واقعياً احتسب كثيرون تمرير الحزب لقانون الكوتا (الحصّة) النسائية شكلاً من أشكال إمعان سيطرة الحزب على شريحة لا بأس بها من مجمل الأعضاء المضمون ولاؤهم، فلا مداهنة المنظمات النسوية انطلت على العالمين بحال الحياة السياسية في مصر، ولا ممارسة الحزب الداخلية أو هيكل قياداته تعكس أياً من مظاهر «التعاطف مع نون النسوة». براغماتياً، رأى كثيرون أنها رشوة لقيادات وسيطة في الحزب.

    نعاود السؤال، لماذا وضد من تتظاهر نساء الحزب الحاكم؟ ألم تفرز الممارسة العملية للحزب نفسه تغييباً متعمداً للنساء؟ أم إن في الأمر «إن» كما يردد عتاة الثقافة الشعبية المتشككون في النيات؟

    ما لا ينكره أحد خلف هذا التساؤل، هو صدمة النظام في تعكير «السلطة القضائية» لفرحته في الاحتفاء بنياشين دولية ستصبغ الوضع الحقوقي المتردي العادي (كما ترصده كل تقارير المنــظمات العالمية) ببعض من مستحضرات المكياج الثقيل. بل تعود الصدمة في جانب كبير منها إلى كبرياء النــظام المــــخدوش بوجود سلطة أخرى في المجتمع قادرة على فرض كلمتها دون إرادته، حتى لو عكست تلك الإرادة المستقلة للقضاء ما بات يعرف بـ « الضمير الرجعي العام والمستتر» لمجمل المجتمع، وفي قلبه النابض النظام نفسه.

    تعود النظام المصري في السنوات الأخيرة على استجابة من حوله لأوامره بمجرد الإشارة، لا التلميح، بل ظهر فصيل لا بأس به يتبرع بقتل سيده: الصحافة مثلاً، الأزهر أحياناً، أحزاب صغيرة (على شاكلة من خرجوا للتظاهر بكاريكاتيرية ضد البرادعي)، بل مواطنون يرفعون القضايا ضد أعدائه.

    أوركسترا واسعة من طوابير متراصة، ممتدة وطويلة، ممن يبحثون عن موقع استزلام تحت مظلته الواقية. تجربة ديموقراطية حقيقية ونادرة في هذا السياق تتمثل في دخول طائفة جديدة يعرف النظام مصالحها وترتدي ما هو بديل قفاز الجنائني القاسي.

    السلطة القضائية في مصر ليست جسداً واحداً كما يعتقد البعض، لكن ما يجمع شتاتها المترامية صفتان أساسيتان، الأولى المحافظة الشديدة، بتجلياتها الأخلاقية إجمالا والدينية أحياناً، وثانيتها الإحساس الطاغي بالتعالي الناتج عن فهم قاصر لمفهومي السلطة والنخبة. يشعر القضاة في مصر بذلك على رغم ارتباط حياتهم بالسياسة المباشرة عبر ولايتهم الاقتصادية لوزير العدل المعين من قبل الدولة، وبرغم نضالهم المستمر لاستقلال تبعيتهم عن الدولة، إلا أن الجسد الإجماعي لهم يحلم بالانتداب الذي هـــو برغبة الوزير، أو بالإعارات لدول الخليج التي هي برغبة الشخص نفسه. بين إدراك تلك العلاقة الولائية للدولة والقناعة التامة بأنهم قمة منزهة لحياة قضائية عامرة بالمخالفات والفساد في سلمها الأولي (السلك الشرطي)، يتعمق الإحساس بالطهرانية، في حين لا يرون غضاضة في توارث عائلاتهم لمهنة القضاة (بحكم نص يجعل أولوية التعيينات في السلم القضائي لأبنائهم)، وهو توارث يمس مبدأ المساواة، الذي هو اللبنة الأساسية للمنطق القانوني.

    في حالة تعيين المرأة، ونحن هنا لا نفتش في ضمائر، بل نحاول إزالة اللبس عن مفهوم الضمير العام الرجعي والمستتر، يعلم القضاة أن «باكيدج» المرأة وقضاياها أمر تشرف عليه السيدة الأولى وبعض من نواة ليبرالية ضيقة داخل النظام، نواة تحاول حماية النظام نفسه من تآكله الذاتي. هذه النواة من الليبراليين الجدد يحاولون إثناء النظام عن التورط أكثر في سياسات رجعية تجلب له العار الدولي، وبعضهم مؤمن حقيقي بمفاهيم مدنية وعلمانية الدولة. يخوض هؤلاء نضالاً داخلياً ضد المحافظين التقليديين في النظام وحواشيه، وحواشيه هنا هي المؤسسة الدينية والسلطة التشريعية والتنفيذية.

    تلك الشريحة الضيقة مثلاً هي من تدافع بتدرجاتها عن سياسات وتصريحات وزير الثقافة المصري الموسمية الصدامية، وهي الناصحة بتأسيس مجلس قومي لحقوق الإنسان قبل سنوات لمواجهة انفراد الجمعيات الحقوقية المستقلة في رسم الصورة الحقوقية لمصر خارجياً، وهي ببساطة أو بتلخيص يبدو مخلاً، الضمير الباقي للنظام، وما يكبح قواه عن الاستخدام المفرط للبطش في المجال العام.

    بالعودة إلى هتافات عضوات الحزب الوطني أمام شاشات الفضائيات، لا تبدو تلك الجوقة ممن يبغين التواصل مع تلك النواة الضامرة لضمير النظام. كل ما في الأمر أن انتخابات مجلسي الشعب والشورى على الأبواب، وهن، ببساطة، يقدمن أوراق ترشيحهن بالصوت والصورة، ويأملن فقط في تواجد من يوصي عليهن بشريط مصور يحمله «كشافة» النظام إلى القصر الرئاسي.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

كبح الضمير الرجعي المستتر في مصر: القضاة نموذجاً

تحليل دقيق و عميق كشف عن مستورات كثيرة كانت خافية حتى على بعض المتابعين. نقطة اخيرة احب ان اشير اليها وهى ان شيوخ القضاة الآن هم الشباب الذى درس و تخرج في السبعينات وقت رعاية انور السادات للتيار الاسلامى علي الاخص داخل الجامعات و كل الشواهد تشير الى استمرار هذه الاوضاع في مجال السلك القضائي لعدة عقود قادمة ان لم يكن لمزيد من التردى .

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية