أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • محمد السمّاك والانتصار للأَولويات
    السبت, 13 مارس 2010
    رضوان السيد

    تنبَّهتُ إلى عمل الأستاذ محمد السمّاك قبل أن أتعرَّفَ اليه في أواخر السبعينات من القرن الماضي. وأذكر أنّ المناسبةَ كانت مقالاً قرأْتُه له في خضمّ النزاع الذي كان مستشرياً وقتَها ومتشابكاً بين اللبنانيين في ما بينهم، وبين لبنانيين وفلسطينيين، وفلسطينيين وسوريين ولبنانيين. مقال محمد السمّاك كان ينبِّهُ إلى ثلاثة أمور: أنّ الصراع على لبنان يوشِكُ أن يُضيعَ البلادَ على اللبنانيين وعلى العرب أجمعين، وأنّ توافُقَ اللبنانيين هو أساسُ الإنقاذ، وأنّ في الأُفُق حرباً إسرائيليةً على لبنان قد لا تكتفي بتوسيع مساحة الاحتلال. بعد ذلك صرتُ أُقابلُ الأُستاذ محمد السمّاك بدار الفتوى وفي مجلس المفتي الشيخ حسن خالد، وفي مجلس الشيخ محمد مهدي شمس الدين. وكان الشيخان الجليلان لا يتعاملان معه مثلما يتعاملان معي مثلاً باعتباري شاباً واعداً؛ بل باعتباره شريكاً شراكةً كاملةً في الرأْي والقرار. وقد قال لي الشيخ شمس الدين رحمه الله عام 1983 على مشارف إعداد وثيقة الثوابت العشر، عن الأستاذ السمّاك، عبارةً سمعتُها منه بعد ذلك عشرات المرات في تسعينات القرن الماضي: هذا الرجل عقلٌ كبيرٌ تتوافرُ له همةُ الشباب، وحكمةُ الشيوخ، وقلبٌ تسكنه الوداعةُ، ويتّسعُ للجميع. وهذان العقل والقلب، هما اللذان قرّباهُ من الكبار في لبنان وفي دنيا العرب كما في الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي. وعلى مدى الثمانينات والتسعينات وإلى اليوم، ما شهدتُ أو دُعيتُ إلى محفل للشأن العامّ اللبناني أو العربي أو الإسلامي/ المسيحي إلاّ وللأُستاذ محمد السمّاك فيه مبادرةٌ أو موقفٌ أو تدخُّلٌ يَضَعُ الأُمورَ في موضعها الصحيح- وكُلُّ ذلك بالهدوء الذي يستعصي على كبار الرجال في الظروف الصعبة التي كنّا نَمُرُّ بها بَشَراً وأَوطاناً وأُمّةً، ولا نزال. وعلى مدى حوالَي العشرين عاماً كانت له تلك العلاقةُ الوثيقةُ القائمةُ على الثقة والوُدّ والتقدير بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي كانت لها ثمراتٌ كثيرةٌ وباقية في شتّى المجالات الوطنية والعربية والإسلامية، والإسلامية/ المسيحية. إنّ هذه الأعمال، وهذه العلاقات، علاقات الثقة والتواصُل والبناء، والتي تحولت إلى مؤسَّساتٍ في الأغلب الأعمّ، لا تزالُ شاهدةً وحاضرةً ويعرفُها الذين يأبَهون لمصائر الشأن اللبناني، واللبناني/ العربي، واللبناني / العالَمي. ولعلَّ زملاء الأستاذ السمّاك، الذين رافقوه على مدى العقود الماضية في تلك الأعمال المؤسَّسية والبنّاءة، مثل اللجنة الوطنية للحوار، والفريق العربي، والذين يحضُرُ اليومَ العديدُ منهم؛ أن يكونوا أقدَرَ مني على الحديث عن ذلك. لكنني أكتفي بمثَلٍ واحدٍ على طريقة الأستاذ السمّاك في العمل والبناء. أَظنُّ أنّ بعضَ الحاضرين معنا اليومَ يعرفون جمعية سانت أجيديو وجهودَها من خلال الفاتيكان ومستقلّةً في رأْب الصَدْع، وتقوية العيش المسيحي/ الإسلامي في المشرق العربي، وفي لبنان على الخصوص. وقد اتّصل بي أحدُ مسؤوليهم قبل اثني عشر عاماًَ تقريباً ليدعوني لأحد اجتماعاتهم بإيطاليا أو ألمانيا. ولسببٍ ما عدتُ أذكُرُهُ ما حضرتُ ذاك اللقاء، وظللتُ أسمعُ عن سؤالهم عني من دون أن أتجاوَب. وخاطبني الأستاذ السمّاك قبل أشهُر، لكي نذهبَ معاً إلى لقاءٍ لسانت أجيديو في شأن العيش معاً. وما اكتفى الصديقُ الكبيرُ بنقل الدعوة؛ بل أطلعني على برنامج اللقاء، وأَرسل لي التذكرة، ونصحني بما ينبغي قولُهُ أو التفكيرُ فيه. وعندما ذهبْنا معاً وجدتُ أنّ له تأثيراً عميقاً وممتداً على مدى العقدين الماضيين، كما وَجَدْتُ – من خلال المحاضرات المطبوعة التي وزّعوها علينا- أنّ للرجل أيضاً تأثيراً تأْسيسياً في الرؤية المتكوِّنة لديهم عن المجتمع العربي وعن الإسلام، وعن العلاقات المسيحية/ الإسلامية في التاريخ والحاضر، وإمكانياتها المستقبلية.

    وأُريدُ في هذه الشهادة، وبعد أن نظرتُ بإيجاز في حركة الأستاذ السمّاك ومعالمها الكبرى أن أَعْرِضَ لثلاث مسائل أرى أنها أَمَسُّ بالمجال الثقافي/ السياسي أو السياسي/الثقافي في حياة الأُستاذ السمّاك وعملِه الفكري على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، وهي: الظاهرة الدينية الجديدة في الولايات المتحدة والعالَم، والظاهرة الإسلامية الأُصولية، والحياة المسيحية/ الإسلامية في هذا الشرق، أو ما يسمّيه اللبنانيون العيش المشترك. في المسألة الأولى، أي الظاهرة الدينية الجديدة في الولايات المتحدة والعالم؛ فإنّ الأستاذ السمّاك كان رائداً في التنبيه، ومنذ مطلع عهد الرئيس ريغان أوائل الثمانينات من القرن الماضي، إلى الأبعاد النشورية والمسيانية لتلك الظاهرة، والتي أَوصلت ريغان من قبل، وبوش الابن من بعد إلى كُرسيِّ الرئاسة. فقد أَلّفَ وترجم وكتب عشرات المقالات في الأصول اللاعقلانية للإنجيليات الجديدة، والتي تستعدُّ بالحروب الكونية، وبالنبوءات الهائلة، وبقيام مملكة إسرائيل الجديدة، وبهَرْمَجِدُّون، استجلاباً لتسريع قدوم المخلِّص، واكتمال القيامة. وهذا المتغيِّر الديني/ الثقافي، والذي صار في النصف الثاني من التسعينات في قلب كلّ التحليلات باعتباره ظاهرةً عالميةً حاول الأستاذ السمّاك منذ الثمانينات إدخالَهُ في الوعْي لتأمُّل آثاره على منطقِتنا وعلى اجتماعنا الإنساني والسياسي. أمّا الظاهرةُ الأُصوليةُ الإسلاميةُ فقد نظر إليها الأستاذ السمّاك ومنذ الثمانينات باعتبارها ردَّ فعلٍ غريزي واحتجاجي على حالات الحصار والانحشار التي أحدثَها ويُحدثُها المتغيّر الأول، والمتجلّي على مستوى الفكر في مقولة صراع الحضارات، وعلى مستوى الواقع في الحروب والحروب المُضادّة لمكافحة الإرهاب. وكما اختلفْتُ معه في شأن المتغيِّر الأول حقيقةً وآثاراً، ثم تبيَّن لي أنه ما كان واهماً ولا مُبالغاً، اختلفْتُ معه في شأن جوهر وأبعاد الأُصولية الإسلامية. ذلك أنّ الظواهرَ الاحتجاجية لا تستمرُّ هذا الزمنَ الطويل، وإنْ أمكنَ لها أن تترك آثاراً تخريبيةً واسعةً في الفعل وَرَدِّ الفعل. ويبدو لي اليومَ- وقد كتب كِلانا في الظاهرة الإسلامية وآثارِها المحلية والعالمية – أنّ الاحتجاجات قد يطولُ عُمُرُها بالفعل إذا استمرّتْ أحوالُ الحصار والانحشار وليس على المستوى العالمي وحسْب؛ بل وعلى المستوى المحلّيّ أيضاً والمتمثّل في خيبات التجربة السياسية العربية على مدى العقود الأربعة الماضية.

    بيد أنّ المفكّر محمد السمّاك، والذي بدا متشائماً في شأن الظاهرتين الأُوليين الإنجيلية والإسلامية، ظلَّ ممتلئاً بالأمل والرجاء في شأن واقع العيش الإسلامي/ المسيحي ومستقبله في منطقتنا وفي العالَم. ويرجعُ ذلك من وجهة نظره إلى ثلاثة أسباب: الجوهر المتقارب بل الواحد للدينين الكبيرين المسيحية والإسلام ضمن النَسب الإبراهيمي، وإلى التجربة التاريخية الناجحة في مُجْملِها للعلاقات بينهما، وأخيراً إلى وجود كثرةٍ كاثرة من النُخَب المسيحية والإسلامية العاملة على انفرادٍ أو معاً من أجل صَون التجربة وتماسُكِها وتجديدها. وقد كتب الرجل كثيراً في النواحي الثلاث، وعمل فكراً وجهداً وانتظاماً على التثبيت والتجديد، وكان آخِر ما شهدتُهُ له ومنه كلمتُه القويةُ في لقاء سانت أجيديو الأخير بروما، ومُحاضرتُه بمنتدى الطائف بوسط بيروت عن الوثيقة المسيحية العربية في شأن القدس. ولعلّني ما عرفْتُ أحداً على هذا الإيمان بالعيش معاً، وعلى هذا الإيمان بلبنانَ الرسالة، مثل الأُستاذ السمّاك. فهذه القناعةُ لديه أَولويةٌ ثابتةٌ لا تتزعزع. وحجرُ الزاوية هذا في فكره وعمله يبلُغُ من عُمقه واستتبابه لديه، درجةَ الهاجس الذي لا يقبلُُ في شأنه جدالاً أو تشكيكاً فضلاً عن الجحود والإنكار. وقد شهدتُهُ في مواقفَ كثيرة، بدت فيها الأُمور أدنى إلى الفشل، فوجدْتُهُ شديد الطمأنينة إلى الثوابت والأولويات كما كان يقول. كان يكرّر التجربة، ويلتمسُ بالحِراك المتعدد الجوانب المخارجَ والحلول، ونادراً ما عاد خائباً في النهاية. وقد قال لي مرةً باسماً بعد أن نجح في جَمْع الإراداتِ من أجل قمةٍ روحية: مَنْ قال لك إنّ الحيلة هي من الاحتيال، إنها من الحَيْل، والحَيْلُ هو القوة، ولا شيء أَولى من جَمْع كلمة اللبنانيين على الخير والتراحُم!

    * كلمة أُلقيت يوم 10/3/2010 في الرابطة الثقافية بأنطلياس (لبنان) لمناسبة الاحتفاء بالأستاذ محمد السماك

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية