أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • مدينة الدجّالين
    الاربعاء, 10 مارس 2010
    يوسف السعيدي - العراق – بريد إلكتروني

    عندما سمعنا بمقدمك أمطرتْ السماء ماءً زلالاً في حالٍ من المناخ المعتدل والقيمة المناسبة لسقيا الأرض المقلّبة والمبذورة والمسمّدة مسبقاً، فاستعجلتْ المزارع حصادها واجتهدتِ الأشجار في لفْظِ الثمار الناضجة اليانعة وأنبتتْ الأحراج ما لذّ وطاب، ووجد الجائعون مأكلاً والمدينون خلاصاً والعراة أثواب حرير والمرضى مصل الوقاية وعقار الشّفاء وخرج المساجين تائبين والفساق طائعين والمعوّقين مهرولين.

    ولمّا أتيت تورّدتْ الأرصفة وتسابقتْ أعمدة الإنارة لبثّ نور الشمس واستعارتْ نور الأقمار واستحتْ أكوام النّفايات من عرْيِها فسترتْ نفسها بحلل الصّناديق وعباءات البراميل وغادر الصغير منها المكان إلى حيث لا تراه أنت، واكْتستْ الواجهات تنظيم الألمان وبرمجة اليابانيين ودقة الإنكليز، وتسارع الموظفون لامتثال أوامر الأنظمة ووقف النّاس احتراماً للطابور وقُضيِتْ الحاجات في لمح البصر وأصبحتْ البيئة صديقة الإنسان ورفيقة الحيوان وجارة النّبات. .

    وها أنت بيننا تسحق زيارتك الظّلم وتغطي طلعتك عيوب الطّرقات وسلبيات الاحتياجات وتسدّ طلّتك حرارة الفوضى وتمنع أذى المساكين وتردم مشيتك حفر الموت وزلقات الجادّة ونزغات الشياطين، ومن رحابة مرافقيك وحاشيتك ومن معك تمدّدت توصيلات الكهرباء وتمديدات المياه ووصل البثّ الفضائي والأرضي والهوائي الى قاع المحيطات وأكواخ المعوزين وبيوت الكادحين ووجدت الأنوف في تنفّسها هواء لم تعرفه من قبل ورائحة ياسمين لم تألفه قبل مجيئك. هم يعرفون طريقك الذي ستسلكه ودربك الذي ستسير فيه خلال زيارتك السريعة لذلك فهم «يكذبون» ويستطيعون ويعرِفون، وهم كذلك قادرون على أن تكون البقعة التي تتواجد أنت فيها محميّة بارعة التنظيم ومدينة فاضلة بكلّ المقاييس وحاضرة شاكرة حامدة راضية مع أنها بالأمس كانت متْعبةً شاكيةً صابرة، وهم قادرون على أن لا تسمع في المنابر سوى صوت الثناء والمدح ـ الذي تستحقّه ـ ومعه صوت التطمين والتدليس والتضليل بأن كلّ شـيء على ما يرام بل وأيّ شيء على ما يرام لأنّ من يتحدّث ومن يتكلّم هو الذي على ما يرام.

    سيّدي، لك في النفس معزّة وفي القلوب إجلالٌ وإكبارٌ ونحن متأكدون بأنك عادلٌ فاضلٌ راغبٌ في الخير والبركة والنّماء وأنت قد سخّرت كلّ ما تأمر به وتصبو إليه ليكون من لا يعرفك راضياً قبل من يعرفك ويراك وليكون من هو بعيد كلّ البعد عن إيوانك وبلاطك مطمئنّاً قبل من تربطه بوزاراتك رابطة ولكنّهم يا سيّدي يكذِبون.

    لم يخبرك يا سيّدي أحدٌ منهم بأنّ الطرقات قبل مجيئك معارج سموات، والأرصفة قبل مقدمك أسنان عجوز نخرها السّوس، وأعمدة الكهرباء قبل زيارتك نذر صعْقٍ وعوامل إعدام للمارّة والسائقين، لم يحدّثك أحدٌ منهم يا سيّدي أنّ سقيا الأشجار الميتة في الشوارع لآخر مرّة قبل وصولك كان منذ سنين، وأنّ النّفايات كانت تُزاحم الخارجين لأداء الصلوات، وأنّ الكهرباء كانتْ منّة من شركتها والمياه كانت تفضّلاً من مصلحتها، وأنّ النّوم أقعد ثلثي الموظفين عن خدمة المراجعين.

    لم ينبئك أحدٌ منهم يا سيّدي عن مشـــروع لفظ أنفاسه قبـــل أن يولـــد ولا عـــــن مشروعـــات تأخّرت وتورّمت وتقلّصتْ حتى تبخّرت، ولم يسِرّ إليك أحدٌ منهم يوماً بأنّ كلّ الافتتاحات العملاقة التي يستعدّون كيْ تكون أنت من يفتتحها ويدشّنها في الحقيقة إنّما جُهّزتْ لك لتراها ويستخدمونها كشهادة زورٍ على ما يفعلون ولم يراع فيها ما ترغب أنت فيه أن يكون الأساس في ذلك للمواطنين وعباد ربّ العالمين، لأنهم باختصار يا سيّدي قومٌ يكذِبون.

    تمرّ الأمور والأحوال على العائشين هنا بكثير من «الرّوتين» والتعقيد ومراحل البيروقراطية المقيتة، ويحتجّ المسؤولون هنا بأنّ البند لا يسمح والوزارة لم تصرّح والماليّة لم توافق وأنّ الأمر قيد الدراسة وأنّ الخطأ خارج عن الإرادة والقصد وأنّ الاهتمام يأخذ وقتاً وأنّ الصبر مفتاح الفرج، لكنّهم وقد أخبرْتهم بأنّك قادمٌ أتاهم آتٍ من إيمان وقادمٌ من مواطنة ومشتْ الأمور كأنها البرق وأصْلحِتْ الأعطال كأنّها سِحْر المردة والدّجالين وخيّل إلينا من سِحْرِهم أنّها الجنّة.

    إنهم يكذبـــون يا سيّدي، فالخيــــر موجــــود لكــنّ النقص حاصل، والنعمة وافرة لكنّ القائميــن عليها مهملون، والإمكانات متوافّرة لكنّ هؤلاء فئة كسالى وفاشلون، وأنت تأمر وترســـم وتصرّح وتوصي وتحذّر لكنهم لا ينفّذون بل يسوّفون ويتململون وعندما تأتي أنت وتزورنا ينافقون ويكذبون.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية