أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الأجداد في مصر أكثر انفتاحاً من أحفادهم
    الإثنين, 22 فبراير 2010
    القاهرة – أمينة خيري

    في سلسلة المحال الشهيرة التي باتت موجودة في كل ركن من أركان القاهرة الكبرى طقوس يومية تجري بين مئات الشباب من العاملين فيها تنظر إليها الغالبية على أنها «نعمة وفضل من الله»، في حين تعدها الأقلية تطرفاً ومبالغة لا مبرر لهما.

    فما أن يؤذن المؤذن لأي من الصلوات الأربع: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء (مع استثناء صلاة الفجر التي يؤذن لها قبل أن تفتح المحال أبوابها) تسود حال من الهرج والمرج، ويبدأ المراقبون المرور على الباعة – وجميعهم من الشباب من خريجي الجامعات والمعاهد – للتأكد من أن الجميع توجه لأداء الصلاة. يقول الموظف أحمد (23 سنة) وهو ينظر حوله ويؤكد لـ «الحياة» أن ما سيقوله قد يفقده عمله، فيفخت صوته ويعترف قائلاً: «أداوم على الصلاة منذ كنت في الصف الثاني الابتدائي، ولكني منذ عملت في هذا المحل، أتوجه إلى الصلاة في الوقت الذي يحدده لي المراقب، وليس بدافع شخصي مني، وبصراحة شديدة أشعر أحياناً بأن ضميري يؤنبني، أو بأن الله لن يتقبل صلاتي. أتمنى لو يتركون الأمر لكل منا، وأنا على يقين أننا سنصلي ولكن من دون الشعور بأن هناك من يراقب أداءنا».

    وعلى رغم معاناة أحمد، إلا أن ما يحدث في سلسلة المحال الشهيرة تلك ليس وليد اليوم أو الأمس. هو حال تدين عام يعيشها المجتمع المصري، لا سيما الشاب منه. ظواهر ومظاهر كثيرة حيرت المراقبين في بحثها وتحليلها، وما زالت تتمدد وتنتشر وتأخذ أشكالاً وأنماطاً يمكن وصفها بالغرابة. أحمد حامد (80 سنة) موظف متقاعد وأب لثلاثة أبناء وجَدٌّ لثمانية أحفاد.

    يقول: «المجتمع المصري قبل ما يزيد على نصف قرن كان أكثر انفتاحاً وتحرراً واتساقاً مما هو عليه الآن». ويشرح حامد ما يعنيه مستعيناً بأمثلة من حوله، فمثلاً «زوجتي رحمها الله لم تكن ترتدي الحجاب، لكنها وضعت غطاء على رأسها في أواخر أيامها كنوع من الوقار ليس إلا. كنا نخرج سوية وهي ترتدي فساتين وأزياء عادية من دون أن ينظر إليها أحدهم نظرة قذرة».

    وتابع قوله: «اليوم أنظر من نافذة بيتي فأرى الغالبية العظمى من الإناث يرتدين الحجاب أو الخمار أو النقاب، وأعين الرجال والشباب تكاد تخترق طبقات القماش. من جهة أخرى، ما زلت أقف عاجزاً عن فهم المغزى من ارتداء فتاة لإيشارب على رأسها بدعوى أنها فتاة مسلمة ملتزمة، وفي الوقت نفسه تكشف عن كل تفاصيل جسدها من دون أدنى حياء، أو تمشي متأبطة ذراع صديق لها أو تجلس على الكورنيش في أحضانه، وكأن غطاء رأسها يشفع لها».

    في الوقت نفسه، ينظر حامد إلى أحفاده، وجميعهم إما تخرج في الجامعة أو يدرس في السنوات النهائية نظرات مليئة بالحيرة. فالحفيدات كلهن ارتدين الحجاب منذ كن في المرحلة الإعدادية في المدرسة.

    الغرابة التي يشعر بها أحمد حامد أعمق بكثير من مسألة تغطية الشعر المنتشرة بين الغالبية المطلقة من الشابات المصريات، فهي تمتد كذلك إلى من يشجعهن على الاكتفاء بالجوانب المظهرية من الدين. قبل أيام قليلة وأثناء امتحانات نصف السنة الدراسية للصف الثالث الإعدادي، أخذت إحدى المراقبات على عاتقها مهمة تهديد الفتيات اللاتي لا يغطين شعرهن بأنهن سيحرقن في نار جهنم عقاباً على الفسق والفجور. كانت تمر على كل طالبة لا تغطي شعرها وتهمس لها في أذنها «كل ولد ينظر إليك وشعرك مكشوف هكذا ستحملين عنه أوزاراً تضمن دخولك جهنم الحمراء». تقول مي سالم (14 سنة) التي وجهت إليها المعلمة هذه الكلمات القاسية. وأضافت مي «الغريب أن هذه الـ «ميس» نفسها غضت النظر عن غش كان يحدث داخل القاعة، بل إنها كانت تساهم في نقل الإجابات أحياناً بدعوى مساعدة التلامذة».

    الانفصال شبه التام بين المظاهر الدينية من الحرص على الصلاة في أوقاتها، وإطلاق اللحى، وتغطية شعر الرأس، والنظر بعين الشك المقارب للكراهية لكل من لا تتواءم تصرفاته ومظهره الخارجي مع المجموعة تواكبه حال عامة من الخواء العام. فلا مشروع قومياً يجمع عقول الشباب وهممهم، ولا هدف كبيراً يوحد الجهود ويشحذ الهمم، ولا حتى أمل بغد أفضل يدفع بهم إلى الانغماس في عمل حقيقي. وما إن تسال أحدهم عن طموحه أو حلمه للمستقبل حتى يباغتك بإجابة مذهلة من نوع أن «المستقبل بيد الله وحده، وما علينا سوى الطاعة» يقول هيثم (23 سنة). اما منى (18 سنة) فترى أن «الإنسان منا لا يملك من يومه شيئاً، فما بالك بالمسقبل؟! المهم أن نتقي الله وهو القدير العليم».

    والشباب القابع على طرف النقيض الآخر، يتعامل مع المسقبل من المنظور نفسه باعتباره المجهول الذي لا نملك توجيهه أو تغييره. ماجد (26 سنة) كان يحلم بكلية الهندسة منذ كان طفلاً، وهو الحلم الذي تحقق، لكن سوق العمل قذفته إلى مهنة لم يتوقعها. فهو اليوم يعمل مندوب مبيعات بعدما تعذر التحاقه بعمل مناسب في مجال تخصصه. ويقول بشيء من اليأس: «كان هذا حلمي الوحيد، أما الآن وقد تبخر في الهواء، فلا أجد ما يشغل بالي أو حتى يجعلني أنظر إلى الغد بعين متفائلة. كثيرون من أصدقائي يعيشون ظروفاً مماثلة، وبعضهم وجد في الانخراط في الدين بشكل مبالغ بديلاً من الانخراط في تحقيق حلم غير واضح مضمون».

    والواقع ان غياب أفق واعد أو مشروع قابل للتحقيق دفع آخرين للانخراط في مسائل أكثر ظلامية من نعرات طائفية باتت تغذيها بعض الصحف ووسائل الإعلام المحلية، اللاهثة لإلهاء الشباب عن قضاياهم. فأخبار جهود تنصير شباب مسلمين لا تضاهيها إلا أنباء عن دخول شباب مسيحيين في الإسلام. وصور هروب فتاة مسيحية مع شاب مسلم تصبح حديث الساعة لفترة من الزمن متفوقة على اي شأن معيشي آخر. وليس أدل على ذلك الاحتقان من حادثة نجع حمادي الشهيرة التي أدخلت المسلمين والمسيحيين في دوامة عنف ودم لا أحد يعرف إن كانت ستقف عند هذا الحد.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية