يفكر كثيراً الفوتوغرافي مصلح جميل في عمل فني يقترب من تصوير طفولة المكان المنقرضة بفعل المسخ والتشويه بعيداً عن التزويق أو خيانة الذاكرة، ليبدو المشهد في أعمال هذا الفوتوغرافي كأنه إطلالة من نافذة يراقب فيها المشاهد نهر الحياة عندما يتوقف لحظات قليلة حتى يستريح تحت ظل شجرة أو في عيون وجوه عابرة للمكان والزمان.
يركض جميل في شوارع فارغة، يبحث عن ترياق مضاد للضجر اليومي، لا يخشى من الاعتراف بكل ما اقترف الفؤاد من الحنين، يسمع صوتاً في داخله «الكاميرا أمامك يا جميل، فخذها من حيادها واركض بها ...الكاميرا جائعة إلى صورة، والصورة عطشى إلى معنى، اضبط العدسة تولد نجمة، قربها أكثر تسمع صوت المطر».
لذلك تشبه أعماله الفوتوغرافية تصاميم غرافيكية تخاطب الحواس بشكل حميمي وغير متوقع، مصلح جميل يعشق صحبة الكاميرا، يحملها معه في كل مكان، لعله يعثر على ما تبقى من عناصر جمالية غير مستهلكة أو مألوفة، يصف رحلته لاقتناص صورة جيدة «إنني مؤمن بأن الصورة الجيدة لا تأتي إلا بالتخطيط والعمل والانتظار والتجربة، كما أن تصوير الطبيعة وهو النوع المحبب لي يحتاج إلى صبر وفهم للطبيعة والضوء، والتواصل مع المكان والاندماج فيه، وهذا ما أحرص على تعلمه والاستفادة من خبرات المصورين في هذا النوع».
ويضيف: «إن الصورة مثلها مثل أي نوع آخر من الفنون يجب أن تكون مقنعة وممتعة، وصورة لا تحمل معنى أو قيمة جمالية فهي لا تساوي شيئاً».
ويعتبر الفوتوغرافي مصلح جميل أن الصورة بكل أشكالها في عصرنا الحاضر، هي «أقوى الوسائل لإحداث التغيير في أي مجتمع، وإذا حددنا الصورة الفوتوغرافية فهي الأقوى والأسرع والأكثر إحداثاً للصدمة والفرح والألم ومن ثم التغيير. لأن الصورة تفهم بشكل سريع وسهل، لذا تمرر من خلالها الكثير من الرسائل، وهنا تكمن أهمية استغلالها لإحداث التغيير. ولكن في مجتمع مثل مجتمعنا الصورة القادرة على إحداث التغيير غير حاضرة بشكل كبير لأسباب منها أن التصوير فعل غير مرحب في الحياة العامة، ولأن الصورة المتاح لها النشر في الوسائل الإعلامية محاصرة بعدة معايير مثلها مثل القصيدة والقصة والكارتون. ثم إن الصورة تحتاج إلى وسيلة لعرضها إما مجلة أو صحيفة أو بوستر أو صالة فنون أو انترنت، وكل هذه الوسائل لا تزال تعاني من رقابة ومحدودية الوصل للمجتمع بكل حرية! وبكل أسف المصور القادر على اقتناص وخلق الصورة المؤثرة نادر جداً، ومع كل هذا أقول إن مجتمعنا هو البيئة الأكثر خصوبة لإنتاج الصور المؤثرة والصادمة».
وحول الصعوبات التي تقف عائقاً أمام ممارسة التصوير الفوتوغرافي في مجتمع محافظ، يؤكد جميل «أن مجتمعنا بكل أسف لا يزال يحتاج إلى وقت أطول ليدرك أهمية وجمال كل أشكال الفنون، ومقدرة المتلقي على قراءة العمل الفني فعل يحتاج إلى ثقافة، وربما ثقافة عالية خصوصاً إذا كان العمل الفني مثل الصورة محملاً بالأفكار، ومع ذلك يوجد من يستطيع أن يقرأ ويفهم ويتفاعل مع الصورة. ولكن كمثال بسيط يمكن قراءتها من خلال مواقع الصحف السعودية الالكترونية، فالصورة لا تحظى بتعليقات كثيرة من زوار مواقع الصحف، وفي أحيان تمر صور خطرة من دون أن يتم ملاحظتها عكس الكاريكاتير مثلاًً!».
ويشير إلى أن التقنية الرقمية من كاميرات ومنتديات الكترونية فوتوغرافية خلقت مفاهيم خاطئة، من الاستسهال والفهم الخاطئ للتصوير والصورة، «لذا اختلط الأمر بين مفاهيم مثل الاحتراف والهواية والنضج والتقليد والمحاكمة والعالمية، وأصبح امتلاك كاميرا رقمية سبباً لتصنيف صاحبها من ضمن المصورين، لذا ما يمكن قوله لهواة التصوير هو أن التصوير يحتاج إلى عمل وفهم وثقافة ووعي وممارسة عميقة، وتجربة وتضحية ولنتذكر المصورين العالميين الذين قضوا عقوداً من حياتهم في التصوير لإنتاج الصور المهمة والجميلة، ولم يستعجلوا الشهرة بعد شهر من شراء كاميرا رقمية!».







